إن من يعنى كذلك بتتبع مراحل الدعوة، والكشف عن خصائصها، لابد أن يستحضر المكي والمدني، لأنه الكاشف في هذا المقام، وكذا من يعرض لقضية التدرج في التشريعات، التي كانت من سمات هذا الدين، لا يستغني عن معرفة المكي، والمدني.
يمكن القول ـ على هَدْي مما سبق ـ: إن في معرفة المكي من المدني فوائد لا تخفى، ولما لم يكن بين أيدينا نصوص شرعية تحدد لنا ما كان مكيًا، وما كان مدنيًا، تلمَّس العلماء سبلًا موصلة لهذا الغرض، فكان أن رأوا وسيلتين هما: طريق السماع، وطريق القياس [1] .
نعني بطريق السماع: تلك الروايات الواردة عن الصحابة الكرام الذين عاصروا التَّنْزِيل، وحضروا المشاهد، وعايشوا الأحداث، فهم أعرف الناس بنُزُول القرآن زمانًا ومكانًا.
فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول فيما يرويه عنه البخاري: (( والذي نفسي بيده ما من آية إلاَّ وأنا أعلم أين نزلت وفيما نزلت ) ) [2] وما هو إلا أنموذج للصحب الكرام في هذا المقام.
ليس يتعذر على الباحث أن يظفر بروايات عن الصحابة الكرام تنص على أن سورة كذا نزلت في المدينة، أو أن آيات بعينها نزلت في موضع كذا.
حسبنا دليلًا على هذا ما رواه مسلم في (( صحيحه ) )عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فسألوه، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئًا فعلمت أنه
(1) الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص 17.
(2) رواه البخاري، فضائل القرآن، برقم 5002.