لا أثر يذكر كذلك لتاريخ النُّزُول في الكشف عن معاني غالبية الآيات القرآنية، وإن توهم بعض المعاصرين [1] غير هذا وسعى إلى إغراء الباحثين بالاشتغال بهذا الترتيب والقيام به.
إذا كان الأمر كذلك فإنه يفسر لنا عدم ورود شيء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن تحديد زمن النُّزُول أو بعبارة أخرى عدم الإشارة إلى المكي والمدني من القرآن الكريم.
نلحظ هذا الفهم عند عامة العلماء، مما ورد عنهم من إشارات، أو نطقت به بعض المقالات، فهذا أبو بكر الباقلاني يقول: (( لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول؛ لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ) ) [2] .
بدا للعلماء أن معرفة المتقدم في النُّزُول من القرآن من المتأخر، أو بعبارة أخرى ـ في ضوء التعريف المختار ـ معرفة المكي والمدني لا يخلو من فوائد تستدعي الحاجة الوقوف عليها في مواطن عدة، وبخاصة الأحكام منها، وما يتصل بالناسخ والمنسوخ، وهو ما كان حاضرًا لدى أهل الاختصاص، وعبَّر عن ذلك النحاس بقوله: (( إنما نذكر ما أنزل بمكة لأن فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ، لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها حكم غيره نزل بالمدينة علم أن المدنية نسخت المكية ) ) [3] .
(1) أمين الخولي في كتابه (( التفسير معالم حياته ومنهجه اليوم ) )، ص 36.
(2) الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص 12.
(3) الناسخ والمنسوخ، للنحاس، ص 214.