فإذا جمعت طرقه نظر في اتفاقها واختلافها ، وعليه يمكن تحديد الراوي الذي تعود إليه طرق الحديث المختلفة ، وهو المدار ، كما يفعل ذلك أئمة العلل ، وأبرز ما يكون ذلك في طريقة الدارقطني في علله ، فإنه يحدد المدار سواء كان واحدًا أو أكثر في أول شيء ، ثم يبين الاختلاف الواقع عليه .
ثم بعد ذلك تجري الموازنة بين المختلفين على حسب مراتبهم وتفاوتها ، وعلى حسب قرائن الأحوال التي تحف بكل حديث بخصوصه .
وقد جمع هذه الأمور الخطيب بقوله: والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه ، وينظر في اختلاف رواته ، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط ، ثم روى بإسناده عن ابن المبارك قال: إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض [1] .
فهذا - باختصار - هو السبيل إلى معرفة العلة ، والباحث في هذا العصر أحوج شيء إلى جمع كلام الأئمة حول الحديث ، ومعرفة من صححه من أئمة هذا الشأن الذين عليهم المعول فيه ، أو من أعله وسبب إعلاله إن استطاع تجلية ذلك ، وإذا اختلف الأئمة في تعليل حديث فالباحث محتاج إلى التأني في ذلك كثيرًا ، وإلى البحث والتنقيب عما وراء ذلك الاختلاف ، وإلى فهم حقيقة كلام كل إمام ووجهه ، كما هو محتاج إلى التجرد عن الهوى ، ومع ذلك ينبغي أن لا يبالغ في الجزم إذا تبين له أحد الأمرين ، فإنه عسى أن يكون خفي عليه أكثر مما تبين له .
قال الخطيب البغدادي: من الأحاديث ما تخفى علته ، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد ، ومضي الزمان البعيد ، ثم ساق بإسناده عن علي بن المديني قال: ربما أدركت علة حديث بعد أربعين .
(1) الجامع للخطيب 2/452 .