فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 46

فنرى مما تقدم أن المشكل الذي يعترض بعض العقول ـ ومؤداه أن الله معرض للتقيد والتأثر والانفعال (وبالنتيجة للضعف والنقص) قد أزالته عقيدة الثالوث . لأن التعليقات التي ترتبت على خلق العالم لم تكن إلا بالأمر الجديد عند الله إذ كانت أزلية فيه نظرا لوجود الأقانيم . ولم تكن لتحط من مجده تعالى وقد كانت موجودة بقطع النظر عن خلق العالم فهي إذا من كيانه وبواسطتها يعلن ذاته لنا . فلما خلق العالم وأقام تعلقات بينه وبين الأشياء المخلوقة وكل ما يترتب على ذلك من تقيد وتأثير وتعرض للعواطف ـ لم يكن ذلك بالأمر الجديد عليه بل إنما أعلن ذاته لخليقته إعلانا متعلقا بالزمان .

الله الخالق

ولا سيما خالق الإنسان

أما باعتبار خلق الله للطبيعة البكماء فقد يسلم بأن الله لم يقيد نفسه لأنه إنما خلق شيئا تحت مطلق تصرفه قابلا للأثر ولكن غير قادر على إحداث أثر . وأقل حركة منه إنما هي بأمر الله . وبما أن ذلك المخلوق شئ ميكانيكي فليس بينه وبين خالقه أوجه شبه . ولكن ما عسانا أن نقول عن الإنسان خليقة الله العاقلة المتصفة بالعلم والقدرة والوجدان ؟ هل في إمكاننا أن نتغاضى عما بينه وبين الله من أوجه الشبه باعتبار هذه الأمور وكيف تتم المخاطبة بينه وبين الله مع العلم بأن التخاطب يقتضي أن يكون بين المخاطب والمخاطب بعض الشبه ؟ فإذا نظر الحيوان إلى الرسوم الهيروغليفية مثلا فإنه لا يدرك لها معنى ولا يرى فيها سوى علامات مرسومة . ولكن الإنسان إذا نظر إليها أدرك أن لها معنى وذلك لوجود تناسب بينه وبين الذين رسموها . وقس على ذلك النبوة أيضا فإنها تقتضي وجود شبه بين الله والإنسان ـ الأمر الذي ينفيه وينكره التنزيه المجرد على رغم تسليم أنصاره بوجوب التخاطب ـ وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى على العقل السليم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت