يفرِّق عالمٌ يفهم عن اللَّه ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب.
ومن هذا أن اللَّه سبحانه قال في المطلقة ثلاثًا: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أي فإن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا، والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصًا بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خُلْع أو فَسْخ أو طلاق حَلَّت للأول، قياسًا على الطلاق.
ومن ذلك قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صِحافِها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" [1] ، وقوله:"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نارَ جهنم" [2] وهذا التحريم لا يختصُّ بالأكل والشرب، بل يعمّ سائرَ وجوهِ الانتفاع؛ فلا يحلُّ له أن يغتسل بها، ولا يتوضَّأ بها، ولا يَدّهن فيها، ولا يكتحل منها، وهذا أمر لا يشك فيه عالم [3] .
ومن ذلك نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المُحْرِم عن لبس القميص والسراويل والعمامة
= والنسائي (7/ 269) في (البيوع) : باب اشتراء الرطب بالتمر، وابن ماجه (2284) في التجارات باب بيع الرطب بالتمر، والطحاوي في"شرح معاني الآثار" (4/ 6) ، والدارقطني (3/ 49) ، والحاكم (2/ 38 و 43) ، والبيهقي (5/ 294) من طريق زيد بن عياش أبو عياش عن سعد.
وزيد هذا ذكره ابن حبان في"الثقات"ووثقه الدارقطني.
قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح خصوصًا في حديث أهل المدينة.
وانظر:"تهذيب السنن" (5/ 32 - 33) لابن القيم.
(1) رواه البخاري (5426) في (الأطعمة) : باب الأكل في إناء مفضّض، و (5632) في (الأشربة) : باب الشرب في آنية الذهب، و (5633) في الشرب في آنية الفضة، و (5831) في (اللباس) : باب لبس الحرير للرجال، و (5837) في باب افتراش الحرير، ومسلم (2067) في (اللباس والزينة) : باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، من حديث حذيفة بن اليمان.
(2) رواه البخاري (5634) في (الأشربة) : باب آنية الفضة، ومسلم (2065) في (اللباس والزينة) : باب استعمال أواني الذهب والفضة، من حديث أم سلمة، وانظر تخريجًا مسهبًا له في تعليقي على"الخلافيات" (رقم 100، 101) ، وهو عند البخاري دون ذكر الذهب.
(3) انظر:"مجموع فتاوى ابن تيمية" (21/ 84) ، و"المغني" (1/ 77 - 78) ، و"الكافي" (1/ 17 - 18) ، و"الإنصاف" (1/ 81 - 82) .