وكانت هذه أولى درجات الكفر والغرور والكبرياء من إبليس. أنه نسب الفضل لذاته .. بأنه مخلوق من عنصر أعلى من الطين .. وهو النار .. تماما كما فعل قارون حين قال كما يروي القرآن الكريم:
{إنما أوتيته على علم عندي} القصص 78.
فكان جزاؤه أن خسف الله به وبداره الأرض.
وتمادى إبليس في معصيته كما يروي لنا القرآن الكريم:
{قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم} الأعراف 16.
وهنا لنا وقفة ثانية ـ في قول إبليس كما روى لنا القرآن الكريم ـ {فبما أغويتني} فكان الغواية حدثت من الله سبحانه وتعالى .. فكيف يحاسب إبليس مع أن الله جل جلاله هو الذي أغواه؟.
نقول: إن أبليس استحق الغواية لما كسبت يداه، ولقد دخل الكبر الى نفسه .. واعتقد أنه قد أخذ كل ما أخذه .. سواء من عناصر تكوينية أو على علم من ذاته، فتركه الله سبحانه وتعالى لغروره .. فغوى. فكأن البداية كانت من الشيطان .. فاستحق أن يتركه الله لنفسه ولغروره .. فوقع في الكفر .. ذلك أن الحق جل جلاله يقول لنا في القرآن الكريم:
{والله لا يهدي القوم الفاسقين} المائدة 108.
وقوله تعالى:
{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} المائدة 67.
وإبليس فسق وكفر .. فسق بأنه عصى أمر الله في السجود، والفسوق معناه البعد عن المنهج .. يقال فسقت الرطبة عندما يصبح البلح رطبا .. البلح وهو أحمر تلتصق قشرته بالثمرة .. فلا تستطيع أن تنزعها .. فإذا أصبح رطبا ابتعدت القشرة عن الثمرة .. وأصبح من السهل نزعها .. وهنا يقال فسقت الرطبة أي انقطعت قشرتها عن قمرنها .. والفسوق ابتعاد عن المنهج. والله سبحانه وتعالى أبلغنا أن إبليس فسق وكفر .. في قوله جل جلاله: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} .
والله تبارك وتعالى ترك إبليس لنفسه .. فغوى وسقط في المعصية والكفر .. ذلك أن الله لا يظلم أحدا .. ولكن الظلم يأتي من النفس. وعندما يظلم المخلوق نفسه .. ويتخذ طريق الكفر .. فإن الله يتركه للطريق الذي اختاره .. فما دام قد اختار الكفر .. فالله غني عنه .. لأن الله غني عن خلقه جميعا.
ما بعد الغواية