جرير يشكو العيون السود، وبشار يشكو الصدود ، والشريف الرضي يشكو فتنة الخدود، وكأن الحياة لديهم اختصرت في امرأة حسناء، ووكأن العمر يتسع لهذا الهراء، ويحسبون أن الناس من أجلهم تركوا المنام، وهجروا الطعام..إذا افتخرنا علي الغرب بأن لدينا نساء حسناوات، وفتيات فاتنات ، قالوا لنا: عندنا في ذلك مسارح ومسرحيات، ومغامرات وغراميات، لكن فخرنا علي الناس أن لدينا رسالة ملأت الكون نورًا، والعالم حبورًا، والدنيا طهورًا.
نحن الذين ملأنا جونا كرمًا *** وقد بعثنا علي قرآننا أمما
والعالم الآخر المشبوه في ظلم *** من يعبد الجنس أو من يعبد الصنما
قتيلان لا يستويان
ذكر أهل السير أن سيدًا باع جارية له وكان له غلام يحبها حبًا شديدًا ، فلما ذهب البائع بالجارية رمي الغلام بنفسه من علي سطح بيت عال فوقع ميتًا! وقد قال بعض هؤلاء:
والله لو قطعوا رأسي لأتركها *** لما نحو هواها في الهوى رأسي!
قارن بين ما سبق وما رواه ابن حبان ، والغزالي في ( الإحياء) في كتاب السماع من أن غلامًا كان في بني إسرائيل علي جبل فقال لأمه: من خلق السماء؟ قالت: الله عز وجل ، قال فمن خلق الأرض؟ قالت الله عز وجل، قال: من خلق الجبالظ قالت: الله عز وجل ، قال: فمن خلق السحاب؟ قالت: الله عز وجل، قال: إن هذا الرب عظيم، ثم رني بنفسه من الجبل فتقطع، وإنا وإن كنا لا نقر هذا العمل، لكن أنظر كم هو الفرق بين من جعل حياته فداء لجارية ومن ضحي بروحه من أجل ربه.
ذبت فداها
أما عاشق آخر فيخبرنا بإلحاح ويعلن للملأ أنه قد امتلأ غرامًا وعشقًا حتى النخاع ، يقول:
أخبروها إذا أتيتم حماها *** أنني ذبت في الغرام فداها
فإذا أخبرناها أنه ذاب في الغرام فداها فماذا سوف يحدث؟! أمن أجل سواد عينيها يذهب حياته هدرًا: )أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) ؟!.. ولكن تعال إلي شاعر بغداد وهو يمدح الحي القيوم ـ جل في علاه ـ بيتين من أعذب الشعر يقول:
إليك وإلا لا تشد الركائب *** ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع *** وعنك وإلا فالمحدث كاذب
أحسنت لا فض فوك!.. وهكذا فليكن الإبداع واللموع والتفوق ، وأما شاعر صنعاء فيشاركه في الثناء علي الله ولكن مع الاعتذار من التقصير يقول:
سبحان من لو سجدنا بالجباة علي *** حرارة الجمر والمحمي من الإبر
لم نبلغ العشر من مقدار نعمته *** ولا العشير ولا عشرًا من العشر
العيون التي في طرفها حور