المناقشة
أولًا: مناقشة أدلة أصحاب الرأي الأول القائلين بأن الجماعة في الصلوات المفروضة فرض عين:
(أ) مناقشة أدلتهم من القرآن الكريم:
1 -مناقشة الدليل الأول المتمثل في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [1] .
يعترض على الاستدلال بهذه الآية الكريمة:
بأن استدلال أصحاب هذا الرأي قائم على أن المراد من الركوع هو الصلاة -على نحو ما ذكر في وجه الدلالة- والحق أنه ورد في تفسر هذه الآية الكريمة عدة وجوه:
أحدهما: التفسير المذكور - الركوع هو: الصلاة.
الثاني: الآية تفيد إثبات فرض الركوع في الصلاة.
الثالث: الآية خصت الركوع؛ لأن أهل الكتاب لم يكن لهم ركوع في صلاتهم, فنص على الركوع فيها تحريضًا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.
الرابع: أن المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء, فيكون نهيًا عن الاستكبار المذموم, وأمر بالتذلل كما قال تعالى للمؤمنين: (سَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [2] , وكقوله تعالى تأديبًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [3] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة, فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد [4] .
نخلص من هذا: بأن الآية كما تحتمل المعنى المستدل به على وجوب صلاة الجماعة, تحتمل أيضًا معاني أخرى تصرف الآية عن كونها دالة على الأمر بوجوب الجماعة, فهذه المعاني بمثابة القرينة الصارفة لكون الأمر دال على الوجوب العيني.
بمعنى آخر: لا يجوز إثبات حكم الوجوب العيني بدليل يحتمل معنى الأمر, ومعاني أخرى ليس فيها أمر بوجوب صلاة الجماعة. والله أعلم.
2 -مناقشة الدليل الثاني المتمثل في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) [5] - الآية.
اعترض على هذا الاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن مبني الاستدلال قائم على أن الجماعة واجبة حالة الخوف, وهذا الاستدلال ملزم لمن قالوا به وهم الحنابلة [6] , وغير ملزم لمن لم يقل به من الفقهاء مثل الشافعية [7] . والله أعلم
(1) سورة البقرة آية 43.
(2) سورة المائدة من الآية 54.
(3) سورة الشعراء من الآية 215.
(4) أحكام القرآن للجصاص جـ1 ص46، مفاتيح الغيب جـ2 ص65.
(5) سورة النساء آية 102.
(6) كشاف القناع جـ1 ص455.
(7) المجموع جـ4 ص86.