تنفس الصبح وأضاءت خيوط الفجر الأولى، وقام - صلى الله عليه وسلم- مسارعًا إلى صلاة الفجر، فصلاها في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجه إلى (المشعر الحرام) فاستقبل القبلة ورفع يديه، يدعو ويلبي، ويكبر ويهلل على حال من الضراعة والخضوع، وهو -مع ذلك- يعلم الناس ويبين لهم، فقد جاءه عروة بن مضرس، فقال:يا رسول الله، جئتك من حبلي طي، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ قال - صلى الله عليه وسلم-: (من شهد معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر بجمعٍ- ووقف معنا حتى نفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه) .
وبقي - صلى الله عليه وسلم- في المشعر الحرام حتى أسفر جدًا، وقاربت الشمس أن تطلع، فدفع ركابه الميمون من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفًا هدي المشركين، فإنهم كانوا لا يدفعون من مزدلفة إلا عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال، دفع - صلى الله عليه وسلم- وهو على حال من السكينة، ونداؤه للناس حين دفعوا معه (عليكم السكينة) وهو كاف ناقته، كحاله في شأنه كله - صلى الله عليه وسلم- رفيق يحب الرفق، حتى إذا وصل وادي محسر - بين مزدلفة ومنى - أسرع قدر رمية بحجر، وأردف ابن عمه الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأمره أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط له سبع حصيات صغار بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلًا، فوضعهن في يده، ثم قال للناس: (بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) .