فلما آذنت الشمس بالغروب أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على بلال فقال: يا بلال استنصِت الناس، فأنصت الناس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليفيض على قلوبهم البشرى بالفيض الغامر من رحمة الله وعفوه، قائلًا: أيها الناس أتاني جبريل آنفًا فأقرأني السلام من ربي، وقال: بشِّر أهل الموقف والمشعر أن الله قد غفر لهم وتحمل عنهم التبعات"فقال عمر: يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: بل لكم ولمن بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر: كثر خير الله وطاب."
فلما وجبت الشمس وغاب قرصها، أشار -صلى الله عليه وسلم- للناس قائلًا:"ادفعوا على اسم الله".
فدفع الناس معه، وهو -صلى الله عليه وسلم- في حطمة الناس وغمارهم، ليس له طريق خاص، وإنما هو -صلى الله عليه وسلم- مع الناس وهو إمام الناس، لا يدفع أحد أمامه، ولا يصد أحد من ورائه، وقد رفع يمينه المباركة يشير إليهم بسوطه قائلًا: (رويدًا أيها الناس، السكينة السكينة، إن البر ليس بإيجاف الركاب) ، وإذا سمع حطمة الناس خلفه وتدافعهم تطاول وأشار إليهم:"السكينة السكينة"، يقول ذلك وهو أول من فعله، فقد شنق راحلته وكبح زمامها، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله من شدة كبحه لزمامها، وظل -صلى الله عليه وسلم- في مسيره ذلك عليه السكينة والجلال والوقار حتى وافى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير ثم هجع -صلى الله عليه وسلم- ليلته تلك إلى السحر، بعد يوم طويل حفيل بحلائل الأعمال، ونهار عامر بالعبادة والدعاء والذكر والتعليم والإرشاد والدلالة على الخير.