الصفحة 17 من 30

أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقد قضى عشية يومه تلك في حال من التضرع واللهج بالدعاء حتى ظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك لما رأوا من انقطاعه للعبادة والدعاء فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب منه والناس ينظرون إليه، وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين منكسرًا لربه- عز وجل- حتى إنه عندما اضطربت به راحلته فسقط خطامها تناوله بيد، وأبقى يده الأخرى مبسوطة يدعو بها.

وكان -صلى الله عليه وسلم- لهجًا بالثناء على الله تهليلًا وتحميدًا وتلبية (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك والنعمة، لك والملك لا شريك لك لبيك إله الحق) وكأنما جاشت أشواق الرسول - صلى الله عليه وسلم- واستشرف قرب الأجل فسمع عشية ذلك اليوم وهو يزيد في تلبيته (لبيك إن العيش عيش الآخرة) ، وتقضَّت ساعات النهار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- علىحاله تلك، خشوع وخضوع ولهج بالدعاء والذكر، حتى إذا تناهىالنهار دعا بأسامة بن زيد، ليكون ردفه، فتنادى الناس يدعون أسامة واشرَأبَّت أعناق الأعراب ينتظرون هذا الذي حظي بشرف ردف النبي - صلى الله عليه وسلم-، وظنوه رجلًا من كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما فجئهم إلا وشاب أسود أفطس أجعد يتوثب ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم-، ثم يلتزمه من خلفه ليكون له -من بين أهل الموقف كلهم- شرف الارتداف مع النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال حدثاء العهد بالإسلام متعجبين: أهذا الذي حبسنا ابتغاؤه! وكأنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بهذا الانتخاب والاختيار يعلن تحطيم الفوارق بين البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية، والفوارق الطبقية، والنزعات العنصرية، ليعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت