لهذا لا نغالي إذا قلنا: إن مشكلة الحرية هي أهم مشكلة اجتماعية وفلسفية في تاريخ البشرية، ذلك لأنها تؤثر مباشرة على وعي الإنسان، وتطابق سلوكه الفردي والاجتماعي؛ بل وعلى وجوده ذاته. إنها مشكلة إنسانية تخص الإنسان دون سواه من الكائنات، وبدونها يفقد المرء إنسانيته.
ونحن هنا لا نقصد الحرية بمعناها الرومانسي؛ وأن كنا لا نرفضه، بل نعنى بها مكونات وعي الإنسان الاجتماعي، لا الفرد المتوحد ونعنى بها أيضًا المعنى الإنساني التاريخي، الحرية بمضمونها المتطور المرتقي أبدًا مع حركة الإنسان الاجتماعي على مدى التاريخ.
والمكابدة من أجل الحرية هي وحدها شهادة جدارة واستحقاق للوجود بالمعنى الإنساني الذي يتجاوز الوجود الحيواني أو الطبيعي الذي هو استمرار نمطي. والحرية ليست نمطية وإلا فقدت ماهيتها، أو لنقل: فقد الإنسان ماهيته إنها إطار ونزوع متنوع النهج والمحتوى، ومن ثم فهي مشروع الوجود الإنساني تزداد ثراء. تتقدم وتنتكس. تتعدل وتغتنى. حسب طبيعة التجربة الإنسانية الاجتماعية المعاشة.
وإن ما يميز الناس ويمايزهم عن سواهم من الكائنات، القدرةُ على وضع تصورات مفاهيمية وأطر فكرية مجردة، هي حصاد نشاطهم البدنى والتأملي ـ حاضرًا وتاريخًا في نطاق قدراتهم المتاحة، وظروفهم المعاشة لتكون أساسًا لمبادرة أصيلة وتفكير عقلاني حسب الإرادة والمشيئة. وإذا كان هذا النشاط هو نشاط تاريخي فإن هذه القدرة هي نتاج مسيرة تطورية ممتدة بامتداد الوجود الحي على الأرض.