فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 248

ويستحب للصائم أن يتسوك أثناء الصيام، ولا فرق بين أول النهار وآخره. قال الترمذي:"ولم ير الشافعي بالسواك أول النهار وآخره بأسًا". وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتسوك وهو صائم. وتقدم ذلك في هذا الكتاب، فليرجع إليه.

6 ... ... الجود ومدارسة القرآن:

الجود ومدارسة القرآن مستحبان في كل وقت، إلا أنهما آكد في رمضان. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

7 ... ... الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان:

روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر". وفي رواية لمسلم:"كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره". وروى الترمذي وصححه عن علي رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر ويرفع المئزر"

مباحات الصيام

يباح في الصيام ما يأتي:

1 ... ... نزول الماء والانغماس فيه: لما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه حدثه فقال:"ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء وهو صائم، من العطش أو من الحر"رواه أحمد ومالك وأبو داود بإسناد صحيح. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان يصبح جنبًا وهو صائم ثم يغتسل". فإن دخل الماء في جوف الصائم من غير قصد فصومه صحيح.

2 ... ... الاكتحال: والقطرة ونحوهما مما يدخل العين؛ سواء وجد طعمه في حلقه أم لم يجده؛ لأن العين ليست منفذًا إلى الجوف. وعن أنس:"أنه كان يكتحل وهو صائم". وإلى هذا ذهبت الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن عطاء والحسن والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور. وروى عن ابن عمر وأنس وابن أبي أوفى من الصحابة. وهو مذهب داود. ولم يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الترمذي.

3 ... ... القُبلة: لمن قدر على ضبط نفسه. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه". وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: هششت يومًا، فقبَّلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلْت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرأيت لو تمضمت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك، قال: ففيم؟".

قال ابن المنذر: رخَّص في القُبلة عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وعطاء والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق. ومذهب الأحناف والشافعية: أنها تكره على من حركت شهوته، ولا تكره لغيره، لكن الأَولى تركها. ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك، والاعتبار بتحريك الشهوة، وخوف الإنزال، فإن حركت شهوة شاب، أو شيخ قوي، كرهت. وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف، لم تكره، والأولى تركها سواء قبل الخد أو الفم أو غيرها، وهكذا المباشرة باليد والمعانقة لهما حكم القبلة.

4 ... ... الحقنة: مطلقًا؛ سواء أكانت للتغذية، أم لغيرها، وسواء أكانت في العروق، أو تحت الجلد، فإنها وإن وصلت إلى الجوف، فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد.

5 ... ... الحجامة: وهي أخذ الدم من الرأس وقد احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، إلا إذا كانت تضعف الصائم فإنها تكره له، قال ثابت البناني لأنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:"لا، إلا من أجل الضعف"رواه البخاري وغيره. والفصد وهو أخذ الدم من أي عضو مثل الحجامة في الحكم.

6 ... ... المضمضة والاستنشاق: إلا أنه تكره المبالغة فيهما، فعن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فإذا استنشقت فأبلغ، إلا أن تكون صائمًا"رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقد كره أهل العلم السعوط وهو وضع الدواء في الأنف للصائم، ورأوا أن ذلك يفطر، وفي الحديث ما يقوي قولهم. قال ابن قدامة: وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر، لأنه أوصل الماء إلى جوفه، ذاكرًا لصومه فأفطر كما لو تعمد.

قال ابن قدامة مرجحًا الرأي الأول: ولنا أنه وصل الماء إلى حلقة من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وقد قال ابن عباس: دخول الذباب في حلق الصائم لا يفطر، وبهذا فارق المعتمد.

2 ... ... وكذا يباح له ما لا يمكن الاحتراز عنه كبلع الريق، وغبار الطريق، وغربلة الدقيق والنخامة ونحو ذلك. وقال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام الخل، والشيء يريده شراءه.

وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم، ورخص فيه إبراهيم. وأما مضغ العلك أي: اللبان فإنه مكروه، إذا كان لا يتفتت منه أجزاء. وممن قال بكراهته الشعبي والنخعي والأحناف والشافعي والحنابلة. ورخصت عائشة وعطاء في مضغه، لأنه لا يصل إلى الجوف، فهو كالحصاة يضعها في فمه. هذا إذا لم تتحلل منه أجزاء، فإن تحللت منه أجزاء ونزلت إلى الجوف أفطر.

قال ابن تيمية: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم. وقال: أما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم؛ فمنهم من لم يُفطر بشيء من ذلك. ومنهم من فطَّر بالجميع إلا بالكحل، ومنهم من فطَّر بالجميع إلا بالتقطير، ومنهم من لا يفطِّر بالكحل ولا بالتقطير، ويفطِّر بما سوى ذلك.

ثم قال مرجحًا الرأي الأول: والأظهر أنه لا يفطّر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام.

فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه؛ ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الأمة. كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثًا صحيحًا، ولا ضعيفًا، ولا مسندًا ولا مرسلًا: علم أنه لم ينكر شيئًا من ذلك.

قال: فإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقل الأمة ذلك.

فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى، كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب. فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بيَّن الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن.

والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن، ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان، كذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطيبه وتبخره وادهانه وكذلك اكتحاله، وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يُجرح أحدهم، إما في الجهاد وإما في غيره مأمومة وجائفة، فلو كان يفطره لبين لهم ذلك. فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرًا. ثم قال: فإن الكحل لا يغذي ألبتة ولا يدخل أحد كحلًا إلى جوفه، لا من أنفه ولا من فمه.

وكذلك الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن؛ كما لو شم شيئًا من المسهلات، أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة.

والدواء الذي يصل إلى المعدة، في مداواة الجائفة أي الجراحة التي تصل إلى الجوف والمأمومة أي الشجة في الرأس تصل إلى أم الدماغ، ومداواتهما ليست تغذية: لا يشبه ما يصل إليها من غذائه. والله سبحانه قال: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وقال صلى الله عليه وسلم:"الصوم جنة"، وقال:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم".

فالصائم نهي عن الأكل والشرب، لأن ذلك سبب التقوِّي؛ فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير، الذي يجري فيه الشيطان، إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة، ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوي به المأمومة والجائفة. انتهى.

8 ... ... ويباح للصائم أن يأكل ويشرب ويجامع حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر وفي فمه طعام وجب عليه أن يلفظه، أو كان مجامعًا وجب عليه أن ينزع. فإن لفظ أو نزع صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه من طعام مختارًا أو استدام الجماع أفطر. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".

9 ... ... ويباح للصائم أن يصبح جنبًا، وتقدم حديث عائشة في ذلك.

10 ... ... والحائض والنفساء اذا انقطع الدم من الليل جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح، وأصبحتا صائمتين، ثم عليهما أن تتطهرا للصلاة

ما يبطل الصيام

ما يبطل الصيام قسمان:

1 ... ... ما يبطله ويوجب القضاء.

2 ... ... وما يبطله ويوجب القضاء والكفارة.

فأما ما يبطله ويوجب القضاء فقط فهو ما يأتى:

1 ... , ... 2 ... ... الأكل والشرب عمدًا:

فإن أكل أو شرب ناسيًا أو مخطئًا أو مكرهًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.

فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"رواه الجماعة.

وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق. وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة"قال الحافظ بن حجر: إسناده صحيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم.

3 ... ... القيء عمدًا:

فإن غلبه القئ فلا قضاء عليه ولا كفارة. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض"وذرعه القيء: أي غلبه، واستقاء: أي تعمد القيء واستخراجه بشم ما يقيئه أو بإدخال يده في فيه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدار قطني والحاكم وصححه.

قال الخطابي: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عمدًا فعليه القضاء.

4 ... , ... 5 ... ... الحيض والنفاس

ولو في اللحظة الأخيرة قبل غروب الشمس، وهذا مما أجمع العلماء عليه.

6 ... ... الاستمناء:

أي تعمد إخراج المني بأي سبب من الأسباب؛ سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم، ويوجب القضاء. فإن كان سببه مجرد النظر نهارًا في الصيام لا يبطل الصوم، ولا يجب فيه شيء. وكذلك المذي لا يؤثر في الصوم قل أو أكثر.

7 ... ... تناول ما لا يتغذى به من المنفذ المعتاد إلى الجوف

مثل تعاطي الملح الكثير، فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم.

8 ... ... ومن نوى الفطر وهو صائم بطل صومه

وإن لم يتناول مفطرًا. فإن النية ركن من أركان الصيام، فإن نقضها قاصدًا الفطر ومتعمدًا له انتقض صيامه لا محالة.

9 ... ... إذا أكل أو شرب أو جامع ظانًا غروب الشمس وعدم طلوع الفجر

فظهر خلاف ذلك فعليه القضاء عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.

وذهب إسحاق وداود وابن وعطاء وعروة والحسن البصري ومجاهد إلى أن صومه صحيح، ولا قضاء عليه. لقول الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ0) .

ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ إلخ.."وتقدم.

وروى عبد الرزاق قال: حدثنا مَعْمَر عن الأعمش عن يزيد بن وهب، قال:"أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عِسَاسًا أي أقداحًا ضخامًا. قيل: أن القدح نحو ثمانية أرطال أخرجت من بيت حفصة فشربوا، ثم طلعت الشمس من سحاب فكأن ذلك شق على الناس؛ فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا الإثم"التجانف: الميل. أي لم نمل لارتكاب الإثم.

وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت:"أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس".

قال ابن تيمية وهذا يدل على شيئين:

الأول: يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ورسوله، ممن جاء بعدهم. الثاني: يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك، كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.

وأما ما يبطله ويوجب القضاء والكفارة فهو الجماع لا غير عند الجمهور؛ فعن أبي هريرة: قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت يا رسول الله. قال:"وما أهلكك؟"قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال:"هل تجد ما تعتق به رقبة؟"قال: لا، قال:"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟"قال: لا. قال:"فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟"قال: لا. قال: ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق العرق: مكيال يسع 15 صاعًا فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها لابتيها: جمع لابة. وهي الأرض التي فيها حجارة سود. والمراد: ما بين أطراف المدينة أفقر منا أهل بيت أحوج إليه منا؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه، وقال:"اذهب فأطعمه أهلك"رواه الجماعة. ويستدل بهذا من ذهب إلى سقوط الكفارة بالإعسار، وهو أحد قولي الشافعي، ومشهور مذهب أحمد، وجزم به بعض المالكية، والجمهور على أن الكفارة لا تسقط بالإعسار. ومذهب الجمهور: أن المرأة والرجل سواء في وجوب الكفارة عليهما، ما داما قد تعمدا الجماع، مختارين في نهار رمضان ناويين الصيام. فإن كان الصيام قضاء رمضان، أو نذرًا وأفطر بالجماع، فلا كفارة في ذلك

فإذا وقع الجماع نسيانًا، أو لم يكونا مختارين، بأن أكرها عليه، أو لم يكونا ناويين الصيام، فلا كفارة على واحد منهما.

فإن أكرهت المرأة من الرجل، أو كانت مفطرة لعذر وجبت الكفارة عليه دونها.

ومذهب الشافعي: أنه لا كفارة على المرأة مطلقًا، لا في حالة الاختيار، ولا في حالة الإكراه. وإنما يلزمها القضاء فقط. قال النووي: والأصح على الجملة وجوب كفارة واحدة عليه خاصة عن نفسه فقط، وأنه لا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب، لأنه حق مالٍ مختص بالجماع، فاختص به الرجل، دون المرأة كالمهر.

قال أبو داود: سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان، أعليه كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة. وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.

قال في المغنى: ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم:"أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها".

والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث، في قول جمهور العلماء.

فيجب العتق أولًا، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، ليس فيهما رمضان ولا أيام العيد والتشريق، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكينًا من أوسط ما يطعم منه أهله، ولا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى، إلا إذا عجز عنها، ومذهب المالكية ورواية لأحمد: أنه مخير بين هذه الثلاثة فأيها فعل أجزأ عنه. لما روى مالك، وابن جريح. عن حميد بن عبد الرحمن. عن أبي هريرة: أن رجلًا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا، رواه مسلم و"أو"تفيد التخيير.

ولأن الكفارة بسبب مخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين. قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعه الزيادة.

وجمع المهلب والقرطبي بين الروايات بتعدد الواقعة. قال الحافظ: هو بعيد، لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد. وأجمع بعضهم مجمل الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم، انتهى.

هذا ومذهب أحمد في الإطعام أن لكل مسكين مدًا من قمح. أو نصف صاع من تمر أو شعير ونحوهما. وقال أبو حنيفة: من القمح نصف صاع ومن غيره صاع. وقال الشافعي ومالك: يطعم مدًا من أي الأنواع شاء. وهذا رأي أبي هريرة وعطاء والأوزاعي، وهو أظهر، فإن العرق الذي أعطي للأعرابي يسع 15 صاعًا.

ومن جامع عامدًا في نهار رمضان ولم يكفر، ثم جامع في يوم آخر منه فعلية كفارة واحدة، عند الأحناف، ورواية عن أحمد؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، فتتداخل.

وقال مالك والشافعي، ورواية عن أحمد: عليه كفارتان، لأن كل يوم عبادة مستقلة، فإن وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين. وقد أجمعوا: على أن من جامع في رمضان عامدًا وكفر ثم جامع في يوم آخر فعليه كفارة أخرى. وكذلك أجمعوا على أن من جامع مرتين في يوم واحد لم يكفر عن الأول أن عليه كفارة واحدة. فإن كفر عن الجماع الأول لم يكفر ثانيًا عند جمهور الأئمة. وقال أحمد: عليه كفارة ثانية

قضاء رمضان

قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسعًا في أي وقت، وكذلك الكفارة؛ فقد صح عن عائشة أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان رواه أحمد ومسلم، ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء. والقضاء مثل الأداء، بمعنى أن من ترك أيامًا يقضيها دون أن يزيد عليها. ويفارق القضاء الأداء في أنه لا يلزم فيه التتابع، لقول الله تعالى: ) وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(؛ أي ومن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر فليصم عدة أيام التي أفطر فيها في أيام أخر متتابعات أو غير متتابعات، فإن الله أطلق الصيام ولم يقيده. وروى الدار قطني عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان:"إن شاء فرَّق وإن شاء تابع". وإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر صام رمضان الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه؛ سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر، وهذا هو مذهب الأحناف والحسن البصري. ووافق مالك والشافعي وأحمد وإسحاق الأحناف في أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر. وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير، فقالوا: عليه أن يصوم رمضان الحاضر ثم يقضي ما عليه بعده، ويفدي عما فاته عن كل يوم مدًا من طعام. وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به. فالظاهر ما ذهب إليه الأحناف، فإنه لا شرع إلا بنص صحيح

من مات وعليه صيام

أجمع العلماء على أن من مات وعليه فوائت من الصلاة فإن وليه لا يصلي عنه ولا غير وليه، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته. فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه:

فذهب جمهور العلماء، ومنهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في المشهور عنه إلى أن وليه لا يصوم عنه، ويطعم عنه مدًا عن كل يوم عند غير أبي حنيفة، أو نصف صاع من قمح أو صاعًا من غيره كما هو رأي أبي حنيفة.

والمذهب المختار عند الشافعية: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه. والمراد بالولي: القريب؛ سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما. ولو صام أجنبي عنه صح إن كان بإذن الولي، وإلا فإنه لا يصح. واستدلوا بما رواه أحمد والشيخان عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من مات وعليه صيام صام عنه وليه"زاد البزار لفظ: إن شاء وسند الزيادة حسن، وروي أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر، أفاقضيه عنها؟ فقال:"لو كان على أمك دَين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال:"فدين الله أحق أن يقضى"."

قال النووي: وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.

التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها

اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها ويطول ليلها: على أي البلاد يكون؟

فقيل: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة، وقيل: على أقرب بلاد معتدلة إليهم

ليلة القدر

فضلها:

ليلة القدر أفضل ليالي السنة لقول الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) ؛ أي العمل فيها من الصلاة والتلاوة والذكر خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.

استحباب طلبها:

ويستحب طلبها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان. وتقدم أنه كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله، وشد المئزر أي اعتزل النساء واشتد في العبادة.

أي الليالي هي؟

للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة؛ فمنهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر.وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين، روى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين"، وروي مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبيِّ بن كعب أنه قال:"والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها".

قيامها والدعاء فيها:

1 ... ... روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت