فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 248

1 ... ... النهي عن صيام يومي العيدين:

أجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين؛ سواء أكان الصوم فرضًا أم تطوعًا لقول عمر رضي الله عنه:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين؛ أما يوم الفطر ففطركم من صومكم، وأما يوم الأضحى فكلوا من نسككم"رواه أحمد والأربعة.

2 ... ... النهي عن صوم أيام التشريق:

لا يجوز صيام الأيام الثلاثة التي تلي عيد النحر، لما رواه أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى:"أن لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل"رواه أحمد بإسناد جيد، وروى الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس رضي عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل صائحًا يصيح: أن لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال". والمقصود بالبعال: الجماع.

وأجاز أصحاب الشافعي صيام أيام التشريق فيما له سبب من نذر أو كفارة أو قضاء. أما ما لا سبب له فلا يجوز فيها بلا خلاف. وجعلوا هذا نظير الصلاة التي لها سبب في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.

3 ... ... النهي عن صيام يوم الجمعة منفردًا

يوم الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين، ولذلك نهى الشارع عن صيامه. وذهب الجمهور: إلى أن النهي للكراهة لا للتحريم إلا إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، أو وافق عادة له، أو كان يوم عرفة، أو عاشوراء، فإنه حينئذ لا يكره صيامه.

فعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية بنت الحارث وهي صائمة في يوم جمعة فقال لها:"أصمت أمس؟"فقالت: لا. قال:"أتريدين أن تصومي غدًا؟"قالت: لا. قال:"فأفطري إذن"رواه أحمد والنسائي بسند جيد.

وعن عامر الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن يوم الجمعة عيدكم فلا تصوموه، إلا أن تصوموا قبله أو بعده"رواه البزار بسند حسن.

وقال علي رضي الله عنه: من كان منكم متطوعًا فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة؛ فإنه يوم طعام وشراب وذكر. رواه ابن أبي شيبة بسند حسن.

وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم".

وفي لفظ مسلم:"ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".

4 ... ... النهي عن إفراد يوم السبت بصيام:

عن بسر السلمي عن أخته الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحا عنب، أو عود شجر فليمضغه". ولحا العنب: قشر العنب. رواه أحمد وأصحاب السنن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم وحسنه الترمذي، وقال: ومعنى الكراهة في هذا أن يختص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود يعظِّمون يوم السبت.

وقالت أم سلمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت ويوم الأحد، أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول:"إنهما عيد المشركين، فأنا أحب أن أخالفهم"رواه أحمد والبيهقي، والحاكم وابن خزيمة، وصححاه.

ومذهب الأحناف والشافعية والحنابلة: كراهة الصوم يوم السبت منفردًا لهذه الأدلة، وخالف في ذلك مالك؛ فجوز صيامه منفردًا بلا كراهة، والحديث حجة عليه.

5 ... ... النهي عن صوم يوم الشك:

قال عمار بن ياسر رضي الله عنه:"من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أبو سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحق، وكلهم كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه. ورأى أكثرهم إن صامه وكان من شهر رمضان، أن يقضي يومًا مكانه، فإن صامه لموافقته عادة له جاز له الصيام حينئذ بدون كراهة. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك اليوم"رواه الجماعة.

وقال الترمذي: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. وإن كان رجل يصوم صومًا فوق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم.

6 ... ... النهي عن صوم الدهر:

يحرم صيام السنة كلها، بما فيها الأيام التي نهى الشارع عن صيامها. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا صام من صام الأبد"رواه أحمد والبخاري ومسلم. فإن أفطر يومي العيد، وأيام التشريق، وصام بقية الأيام انتفت الكراهة، إذا كان ممن يقوي على صيامها.

قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق. فمن أفطر في هذه الأيام، فقد خرج من حد الكراهة، ولا يكون قد صام الدهر كله. هكذا روى عن مالك والشافعي وأحمد وإسحق.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم حمزة الأسلمي على سرد الصيام، وقال له:"صم إن شئت وأفطر إن شئت"وقد تقدم. والأفضل أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فإن ذلك أحب الصيام إلى الله، وسيأتي.

7 ... ... النهي عن صيام المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تصوم وزوجها حاضر حتى تستأذنه؛ فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصم المرأة يومًا واحدًا، وزوجها شاهد إلا بإذنه إلا رمضان"رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وقد حمل العلماء هذا النهي على التحريم، وأجازوا للزوج أن يفسد صيام زوجته لو صامت، دون أن يأذن لها، لافتياتها على حقه، وهذا في غير رمضان كما جاء في الحديث، فإن رمضان لا يحتاج إلى إذن من الزوج. وكذلك لها أن تصوم من غير إذنه، إذا كان غائبًا فإذا قدم، له أن يفسد صيامها. وجعلوا مرض الزوج، وعجزه عن مباشرتها مثل غيبته عنها، في جواز صومها دون أن تستأذنه.

النهي عن وصال الصوم:

1 ... ... عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والوصال"قالها ثلاث مرات. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال:"إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من الأعمال ما تطيقون"رواه البخاري ومسلم.

وقد حمل الفقهاء النهي على الكراهة.

وجوز أحمد وإسحق وابن المنذر الوصال إلى السحر. ما لم تكن مشقة على الصائم. لما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر"

صيام التطوع

رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام الأيام الآتية:

صيام ستة أيام من شوال:

روى الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبى أيوب الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر"، وعند أحمد: أنها تؤدى متتابعة وغير متتابعة، ولا فضل لأحد على الآخر، وعند الحنفية والشافعية: الأفضل صومها متتابعة عقب العيد.

صيام عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج:

1 ... ... عن أبى قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية"رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.

2 ... ... عن حفصة قالت:"أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة"رواه أحمد والنسائي.

3 ... ... عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب"رواه الخمسة، إلا ابن ماجه وصححه الترمذي.

4 ... ... عن أبي هريرة قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات"رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

5 ... ... عن أم الفضل: أنهم شكوا في صوم رسول الله يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطب الناس بعرفة. متفق عليه.

صيام المحرم وتأكيد صوم عاشوراء ويوم قبلها ويوم بعدها:

1 ... ... عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال:"في جوف الليل". قيل: ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال:"شهر الله الذي تدعونه المحرم"رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

2 ... ... عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر"متفق عليه.

3 ... ... عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه. فلما فُرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه"متفق عليه.

4 ... ... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال صلى الله عليه وسلم:"أنا أحق بموسى منكم"، فصامه، وأمر بصيامه. متفق عليه.

5 ... ... عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود، وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صوموه أنتم"متفق عليه.

6 ... ... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى ... فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم وأبو داود. وفي لفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع: (يعني مع يوم عاشوراء) رواه أحمد ومسلم.

وقد ذكر العلماء أن صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: صوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر.

المرتبة الثانية: صوم التاسع، والعاشرة.

المرتبة الثالثة: صوم العاشر وحده.

التوسعة يوم عاشوراء:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال:"من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"رواه البيهقي في الشعب، وابن عبد البر. وللحديث طرق أخرى كلها ضعيفة. ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض ازداد قوة. كما قال السخاوي.

صيام أكثر شعبان:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان. قالت عائشة:"ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان"رواه البخاري ومسلم.

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال:"ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين. فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".. رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة. وتخصيص صوم يوم النصف منه ظنًا أن له فضيلة على غيره مما لم يأت به دليل صحيح.

صيام الأشهر الحرم:

الأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. ويستحب الإكثار من الصيام فيها. فعن رجل من باهلة: أنه أتي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنا الرجل الذي جئتك عام الأول، فقال: فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعامًا إلا بليل منذ فارقتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لِمَ عذبْت نفسك؟"ثم قال: صم شهر الصبر، ويومًا من كل شهر. قال: زدني، فإن بي قوة. قال: صم يومين. قال. زدني. قال: صم من الحُرُم واترك. صم من الحُرُم واترك. صم من الحُرُم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها، ثم أرسلها". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند جيد."

وصيام رجب ليس له فضل زائد على غيره من الشهور إلا أنه من الأشهر الحرم. ولم يرد في السنة الصحيحة أن لصيامه فضيلة بخصوصه، وما جاء في ذلك مما لا ينهض للاحتجاج به. قال ابن حجر:"لم يرد في فضله ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه أثر معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح يصلح للحجة".

صيام يومي الاثنين والخميس:

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، فقيل له فقال:"إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل مسلم، أو لكل مؤمن، إلا المتهاجرين فيقولون: أخرها"رواه أحمد بسند صحيح. وفي صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:"ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل عليَّ فيه"أي نزل الوحي عليَّ فيه.

صيام ثلاثة أيام من كل شهر:

قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض؛ ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال:"هي كصوم الدهر"رواه النسائي، وصححه ابن حبان. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. وأنه كان يصوم من غرة كل هلال ثلاثة أيام. وأنه كان يصوم: الخميس من أول الشهر، والاثنين الذي يليه والاثنين الذي يليه.

صيام يوم وفطر يوم:

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد أخبرت أنك تقوم الليل وتصوم النهار. قال: قلت: يا رسول الله، نعم. قال: فصم وأفطر وصل ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام". زورك: أي ضيوفك قال: فشددتُ فشُدد عليَّ. قال: فقلت: يا رسول الله، إني أجد قوة. قال:"فصم من كل جمعة ثلاثة أيام"قال:"فشددتُ فشُدد عليَّ. قال: فقلت يا رسول الله إني أجد قوة"قال:"صم صوم نبي الله داود، ولا تزد عليه"قلت: يا رسول الله، وما كان صيام داود عليه الصلاة والسلام؟ قال:"كان يصوم يومًا ويفطر يومًا"رواه أحمد وغيره. ورويَ أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا"

جواز فطر الصائم المتطوع

1 ... ... عن أم هانئ رضي الله عنها:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح، فأتي بشراب فشرب ثم ناولني، فقلت: إني صائمة. فقال:"إن المتطوع أمير على نفسه؛ فإن شئت فصومي، وإن شئت فأفطري"رواه أحمد والدار قطني والبيهقي، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولفظه:"الصائم المتطوع أمير على نفسه؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر"."

وعن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب، فقال: نم، فلما كان في آخر الليل قال: قم الآن؛ فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"صدق سلمان"رواه البخاري والترمذي.

2 ... ... وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعاكم أخوكم، وتكلف لكم"ثم قال:"أفطر وصم يومًا مكانه، إن شئت"رواه البيهقي بإسناد حسن كما قال الحافظ. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الفطر لمن صام متطوعًا، واستحبوا له قضاء ذلك اليوم، استدلالًا بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة

آداب الصيام

يستحب للصائم أن يراعي في صيامه الآداب الآتية:

1 ... ... السحور:

وقد أجمعت الأمة على استحبابه، وأنه لا إثم على من تركه، فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تسحروا فإن السحور بركة"رواه البخاري ومسلم. وعن المقدام بن معد يكرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عليكم بهذا السحور فإنه الغذاء المبارك"رواه النسائي بسند جيد. وسبب البركة أنه يقوي الصائم وينشطه، ويهون عليه الصيام.

بم يتحقق؟:

ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله. ولو بجرعة ماء، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين"رواه أحمد.

وقته:

وقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، والمستحب تأخيره. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال"خمسين آية"رواه البخاري ومسلم. وعن عمرو بن ميمون قال:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا"رواه البيهقي بسند صحيح. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مرفوعًا:"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور"وفي سنده سليمان بن أبي عثمان، وهو مجهول.

وجوَّز أبو حنيفة إخراج القيمة. وقال: إذا أخرج المُزكي من القمح فإنه يُجزئ نصف صاع.

قال أبو سعيد الخدري:"كنا إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نُخرج زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر ومملوك: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أَقِط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به أن قال: أني أرى أن مدّين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد فأما أنا، فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت"رواه الجماعة. المدان: نصف صاع، والمقصود بسمراء الشام: القمح قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعًا، وهو قول الشافعي وإسحاق.

وقال بعض أهل العلم: من كل شيء صاع إلا البر، فإنه يجزئ نصف صاع وهو قول سفيان، وابن المبارك، وأهل الكوفة.

متى تجب؟

اتفق الفقهاء على أنها تجب في آخر رمضان، واختلفوا في تحديد الوقت الذي تجب فيه. فقال الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك: إن وقت وجوبها، غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان.

وقال أبو حنيفة والليث والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك: إن وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد.

وفائدة هذا الاختلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس: هل تجب عليه أم لا تجب؟ فعلى القول الأول لا تجب، لأنه ولد بعد وقت الوجوب وعلى الثاني: تجب لأنه ولد قبل وقت الوجوب.

الشك في طلوع الفجر:

ولو شك في طلوع الفجر فله أن يأكل ويشرب حتى يستيقن طلوعه، ولا يعمل بالشك، فإن الله عز وجل جعل نهاية الأكل والشرب التبين نفسه لا الشك؛ فقال: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(. وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما:"إني أتسحر فإذا شككت أمسكت؛ فقال ابن عباس: كل ما شككت حتى لا تشك". وقال أبو داود: قال أبو عبد الله:"إذا شك في الفجر يأكل حتى يستسقين طلوعه". وهذا مذهب ابن عباس وعطاء والأوزاعي وأحمد. وقال النووي: وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر.

2 ... ... تعجيل الفطر:

ويستحب للصائم أن يعجل الفطر متى تحقق غروب الشمس، فعن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"رواه البخاري ومسلم. وينبغي أن يكون الفطر على رطبات وترًا، فإن لم يجد فعلى الماء. فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يُصلِّي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود والحاكم وصححه، والترمذي وحسنه. وعن سلمان بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور"رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. وفي الحديث دليل على أنه يستحب الفطر قبل صلاة المغرب بهذه الكيفية، فإذا صلى تناول حاجته من الطعام بعد ذلك، إلا إذا كان الطعام موجودًا، فإنه يبدأ به، قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم"رواه الشيخان.

3 ... ... الدعاء عند الفطر وأثناء الصيام:

روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد"، وكان عبد الله إذا افطر يقول:"اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي". وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول:"ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى". وروي مرسلًا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت". وروى الترمذي بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا ترد دعوتهم؛ الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم".

4 ... ... الكف عما يتنافى مع الصيام:

الصيام عبادة من أفضل القربات، شرعه الله تعالى ليهذب النفس، ويعودها الخير. فينبغي أن يتحفظ الصائم من الأعمال التي تخدش صومه، حتى ينتفع بالصيام، وتحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وليس الصيام مجرد إمساك عن الأكل والشرب، وسائر ما نهى الله عنه.

فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم.. إني صائم"رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وروى الجماعة إلا مسلمًا عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر"رواه النسائي وابن ماجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري.

5 ... ... السواك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت