فترك العلماء حديث سفيان لا طعنا في سفيان؛ ولكن طعنا في ضبطه لكتابه من جراء وراقه الذي أدخل عليه ما ليس من حديثه، وهو لم يكن حافظا لحديثه بحيث يميز ما كان من حديثه أو لم يكن، وإنما كان يعتمد على كتابه.
وأما"أبو زرعة الرازي"فإنه لما كان حافظا لحديثه في صدره وفي كتابه، لما حاول بعض الناس أن يدخل عليه أحاديث في كتبه؛ تنبه لذلك وأبطلها -رضي الله تعالى عنه-.
والقسم الثاني من أقسام الضبط: هذا باعتبار الإطلاق والتقييد، فهناك ضابط بإطلاق، ليس مقيدا ضبطه لا بمكان ولا بزمان ولا بحالة ولا بشيخ ولا بعلم ولا بأهل بلد، وإنما هو ضابط مطلقا، فكل حديث يرويه يحكم له بالصحة إلا ما ثبت أنه أخطأ فيه، وهذا كثير في أئمة الحديث -لا حصر لهم-.
وقسم آخر وهو المهم: هو"الضابط بقيد"يعني: يكون ضبطه محصورا في شيء معين؛ فهذا القسم يحكم لحديثه بالصحة فيما ضبط فيه، وما عداه فلا يحكم له بالصحة.
فتارة قيد العلماء الضبط بحالة الراوي يقولون:"إذا حدث من حفظه فهو ضعيف، وإذا حدث من كتابه فحديثه صحيح"، وهذا مثل ما قيل في"الداروردي"ذكر هذا فيه -الداروردي- ذكر أنه:"إذا حدث من حفظه فيحكم لحديثه بالضعف، ولكن إذا حدث من كتابه حكمنا لحديثه بالصحة".
فإذا أردنا تطبيقه على كلمة"المتقن"في هذا الحديث نقول: هو متقن فيما حدث فيه من كتابه؛ فإذا حدث من كتابه دخل في حد الحديث الصحيح أو دخلت روايته في حد الحديث الصحيح، وإذا حدث من غير كتابه -يعني: من حفظه- فحديثه ليس داخلا في حد الصحيح.
لأنه والحالة هذه- ليس بضابط ولا متقن، ومن شرط الحديث الصحيح أن يكون راويه متقنا؛ لأننا الآن نذكر حد الحديث الصحيح لا نذكر صفة الرجل، وهذا الرجل إذا روى من كتابه انطبق عليه أنه متقن وأنه ضابط فدخل في حد الحديث الصحيح، وإذا حدث من حفظه خرج من هذا أو خرج من حد الحديث الصحيح؛ لأنه عندئذ لا يكون متقنا ولا ضابطا، فلا يشمله حد الحديث الصحيح.