الصفحة 11 من 345

ومعنى ثبت الحفظ أو حفظ الصدر: هو أن يحفظ الراوي الأحاديث عن ظهر قلب؛ بحيث يستطيع أن يستحضرها متى شاء، وهذا كان في الأولين، كثير من الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ لأن الأسانيد كانت قصيرة، والروايات لم تتشعب ولم تتعدد.

لكن لما طالت الأسانيد وكثرت الروايات؛ صار الأكثرون أو كثير ممن جاء بعدهم يعتمد على الكتاب، وإن كان يحفظ هذه الأحاديث في صدره إلا أن العمدة هو كتابه؛ فإذا وهم في حديث أو أخطأ في حديث راجع كتابه.

فالأولون كان الغالب عليهم الحفظ، ومن جاء من بعد أتباع التابعين الغالب عليهم أنهم يكتبون هذه الأحاديث، وإن كانوا يحفظونها في صدورهم.

وأما بالنسبة لـ"ضبط الكتاب"فمعناه: أن يحفظ المحدث كتابه الذي سمع فيه من شيخه، يحفظه من التبديل والتغيير حتى يؤدي منه؛ فمن كان كذلك فإنه يسمى"ضابط كتاب".

وقد اشتهر بهذا الأمر حتى بلغ غاية فيه"إبراهيم بن حسين بن جيزين"، اشتهر بضبط كتابه؛ فكان بعض أهل العلم يقول: لو روى حديثا فيه لا يؤكل الخبز؛ لوجد ألا يؤكل؛ لصحة إسناده.

وهو إنما يعتمد على كتابه فقط، ولا يعتمد على حفظه، يعتمد على كتابه؛ فهذا يدلك على أن ضبط الكتاب معتبر عند أهل العلم، ولو لم يكن الراوي حافظا لما يرويه في صدره.

وأما إذا دخل الكتاب الرواة الذين ذكر أنهم غيروا في كتبهم أو بدلوا؛ فهؤلاء يضعف حديثهم ويحكم عليهم بالضعف، لا لضعف في أنفسهم وإنما لضعف في كتبهم؛ فهم لم يعتنوا بكتبهم، ولم يحفظوها من التغيير والتبديل.

فلما وقع فيها التغيير والتبديل؛ صار كل حديث منها يظن أنه حديث مغير مبدل، وهذا كما حصل لـ"سفيان بن وكيع بن الجراح"كان عدلا في نفسه، لكن كان كتابه عند وراقه، وكان وراق سوء، كان يدخل عليه بعض الأحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت