فلبيك ليست مجرد لفظ يقال باللسان مع الإصرار على مخالفتها فلبيك بمعنى التوبة أيضًا لأنه إذا قال أنا مجيب على طاعتك ومجيب لأمرك فقد تخلى عن المعاصي وقد عزم على أداء الواجبات الأمر أكبر من هذا بعض الناس يقول لبيك ثم إذا ألمت به ملمة نادى عليا أو البدوي أو غير ذلك وأشرك بالله رب العالمين:‹‹ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ›› (لبيك اللهم لبيك) تأكيدا لهذا (لبيك لا شريك لك) لا شريك في القول ولا في الفعل ولا في القصد ولا في الإرادة لا في القليل ولا في الكثير وهذا نفي للرياء من كل وجه وهذه الكلمة تشتمل على كل معاني التوحيد ولهذا قال جابر رضي الله عنه:‹‹ فأهل بالتوحيد ›› هذا هو التوحيد فالمسلم لا ينفك عن معاني التوحيد في أي حالة من الحالات فهو بحاجة للتوحيد في قيامه وقعوده وجلوسه وفي نومه ولهذا يستفتح بالتوحيد أول النهار ويختم بالتوحيد، يبدأ بالتوحيد وينتهي بالتوحيد:‹‹ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ››
قوله:‹‹ إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك ›› فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بأن التلبية إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ... ا. هـ. والملبي المستسلم لله المنقاد له إذا لبى فقد انقاد لأوامر الله واجتنب نواهيه وهذه التلبية قد أجمع المسلمون على مشروعيتها وقد جاء في الصحيحين من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال:‹‹ تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك فذكر ذلك ›› وفي عن ابن عمر رضي الله عنهما:‹‹ أن عمر كان يلبي ويهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ويزيد هؤلاء الكلمات لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل ›› في هذا دليل على جواز الزيادة أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن يزيد على ما تقدم ولكنه أقر أصحابه على الزيادة فقد جاء في سنن أبي داود من طريق يحيى بن سعيد عن جعفر الباقر عن أبيه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال:‹‹ أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر السابق - والناس يزيدون: ذا المعارج ونحو ذلك من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا ›› وقد جاء هذا في مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه:‹‹ وأهل الناس بهذا الذي يهلون فلم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته ›› فكأن جابر رضي الله عنه يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على ما تقدم في حديث ابن عمر السابق وقد كان جابر رضي الله عنه من المتابعين لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأن الزيادة بذي المعارج ونحو ذلك من زيادات الصحابة وكما تقدم في زيادات عمر رضي الله عنه ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أقره ذلك ولم ينكر وقد قال الناظم:
وإن أقر قول غيره جعل كقوله كذاك فعل قد فعل
وما جرى في عصره ثم اطلع عليه إن أقره فليتبع