و قد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم لما نزلت هذه الآية كما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن الصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال بهم النبي صلى الله عليه و سلم ليس الذي تذهبون، ألم تسمع إلى قول لقمان لابنه وهو يعظه: إن الشرك لظلم عظيم، هذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه يدل على أن النوع الأول من أنواع الظلم و هو الشرك بالله إذا حصل فإنه يمنع عن الإنسان الأمن و الاهتداء مطلقًا، فمن وقع في الشرك فليس له نصيب من الأمن و لا الاهتداء فليس مهتديًا لأنه خالف أصل الإسلام و ليس آمنًا لأنه في النار، كما قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار) و كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . أما أنواع الظلم الأخرى فإنها لا تمنع الاهتداء تمامًا، ولا تمنع الأمن تمامًا و لكن كلما وجد منها نصيب عند الإنسان منعت من الاهتداء و الأمن بقدر وجودها عند الإنسان، فمن كانت معاصيه أكثر و ظلمه للناس أكثر، كان حظه من الأمن و الهداية أقل و من كانت معاصيه أقل و ظلمه للناس أقل، فإن حظه من الأمن و الهداية أكبر، و أما من وجد عنده الشرك فليس له أم و لا هداية.
الأمن: هو الأمن في الدنيا، وهي الطمأنينة النفسية كما قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ، و هو في الآخرة الأمن من دخول النار فمن لم يشرك و لم يظلم نفسه بالمعاصي الكبائر أو الإصرار على الصغائر، و لم يظلم إخوانه، فإنه يدخل الجنة ابتداءً و يأمن من دخول النار مطلقًا و سيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي هذا.