لولا المشقة ساد الناسُ كلهم::: الجود يُفقِر والإقدام قَتَّالُ
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية , فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية , وهي السعادة , وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي , وأنها متى كرهت النفس عليها , وسيقت طائعة وكارهة إليها , وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة , ومقاعد صدق , ومقام كريم , تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك , فحينئذ يطون حال صاحبها كما قيل:
وكنت أرى قد تناهى بي الهوى:: إلى غاية ما بعدها لي مذهبُ.
فلما تلاقينا وعاينت حسنها:: تيقنت أني إنما كنت ألعبُ.
فالمكارم منوطة بالمكاره , والسعادة لا يُعبر إليها إلا على جسر المشقة , فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في صحيحه:-
قال يحيى بي أبي كثير: (( لا يُنال العلم براحة الجسم ) ), وقد قيل: (( من طلب الراحة , ترك الراحة ) ).
فيا واصل الحبيب أما إليه:: بغير مشقة أبدًا طريقُ؟!
لا يمكن أن تصل إليه إلا بالمشقة.
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجادلوا عليها بالسيوف , ولكن حُفَّت بحجاب من المكاره , وحجبوا عنها بحجاب من الجهل , ليختص الله لها من يشاء من عباده , والله ذو الفضل العظيم )) أهـ
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى:
(حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه , والصبر على كل عارض دون طلبه , وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًا واستنباطًا , والرغبة إلى