إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ، وَلَمْ يَتَوَاتَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، إِنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ لَمْ يَامُرْ بِهِ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا تَنَاوَلَهُ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- نَاهِيًا عَنْ ذَلِكَ"لَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ -مَا عَدَا الشِّرْكَ- خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ".
وَعُلَمَاءُ الْكَلَامِ لَمْ يُتْرَكُوا لِإِشَاعَةِ أَقْوَالِهِمْ وَبَثِّ أَفْكَارِهِمْ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، بَلْ وَقَفَ لَهُمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِالْمِرْصَادِ، يُفَنِّدُونَ حُجَجَهُمْ، وَيُبْطِلُونَ أَدِلَّتَهُمْ، وَيُؤَلِّفُونَ الْكُتُبَ، ويُدَبِّجُونَ الْمَقَالَاتِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 463 - 1071م فِي كِتَابِهِ"جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ".
وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الهَرَوِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 481هـ - 1088م فِي كِتَابِهِ"ذَمِّ الْكَلَامِ".
وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ الْقُرَشِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 596هـ فِي كِتَابِهِ"نَقْدِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ"أَوْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ"."
وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، الْمُتَوَفَّى بِدِمَشْقَ سَنَةَ 620هـ 1223م فِي كِتَابِهِ"تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكَلَامِ"، وَرَدَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ الَّذِي أَبَاحَ عِلْمَ الْكَلَامِ.
وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 1505م، فِي كِتَابِهِ"صَوْنِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ عَنْ فَنِّ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ".
وَقَدْ قَامَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ بِتَلْخِيصِ كِتَابِ الْإِمَامِ الْهَرَوِيِّ"جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ"فِي كِتَابِهِ سَالِفِ الذِّكْرِ"صَوْنِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ".
إِنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ الَّذِي وَفَدَ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ خَارِجِ حُدُودِهَا فَرَّقَ وَحْدَتَهَا، وَشَغَلَهَا عَنْ الْكَثِيرِ مِنْ أَدَاءِ رِسَالَتِهَا تِجَاهَ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا.
يَقُولُ أَحَدُ الْمُفَكِّرِينَ الْإِسْلَامِيِّينَ مُوَضِّحًا وَمُعَلِّقًا عَلَى الْخِلَافَاتِ النَّاشِبَةِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ"كَانَتْ الْمُنَاقَشَاتُ -فِي الْأَصْلِ- مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَاوَزَ حُدُودَ الْمُنَاظَرَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ، وَلَكِنَّا أَقْحَمْنَا اسْمَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي مُنَاقَشَاتِنَا الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا."
فَحَاوَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَّا إِسْنَادَ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ إِلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ"."
وَنَقُولُ وَكَيْفَ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ.