وَالَّذِي يُهِمُّنَا فِي رَايِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ صَاحِبُ قَلَمٍ جَالَ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ، وَهَاجَمَ فِي كُلِّ مَوْقِعٍ، وَنَازَلَ الْفَلَاسِفَةَ وَكَشَفَ زَيْفَهُمْ، وَهَاجَمَ الْبَاطِنِيَّةَ وَفَنَّدَ بَاطِلَهُمْ، وَاقْتَرَبَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ رَفَضَ مَنْهَجَهُمْ يَقُولُ الْغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ"فَيْصَلِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ""مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ غُلُوًّا وَإِسْرَافًا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَفَّرُوا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْكَلَامَ مَعْرِفَتَهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْعَقَائِدَ الشَّرْعِيَّةَ بِأَدِلَّتِهِمْ الَّتِي حَرَّرُوهَا فَهُوَ كَافِرٌ."
فَهَؤُلَاءِ ضَيَّقُوا رَحْمَةَ اللَّهِ الْوَاسِعَةَ عَلَى عِبَادِهِ أَوَّلًا، وَجَعَلُوا الْجَنَّةَ وَقْفًا عَلَى شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ جَهِلُوا مَا تَوَاتَرَ مِنْ السُّنَّةِ.
ثَانِيًا إِذْ ظَهَرَ لَهُمْ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَصْرِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- حُكْمُهُمْ بِإِسْلَامِ طَوَائِفَ مِنْ أَجْلَافِ الْعَرَبِ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ، وَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِعِلْمِ الدَّلِيلِ، وَلَوِ اشْتَغَلُوا بِهِ لَمْ يَفْهَمُوهُ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَدْرَكَ الْإِيمَانِ"الْكَلَامُ"وَالْأَدِلَّةُ الْمُحَرَّرَةُ وَالتَّقْسِيمَاتُ الْمُرَتَّبَةُ فَقَدْ ضَيَّقَ حَدَّ الْإِيمَانِ.
"بَلْ الْإِيمَانُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ عَبِيدِهِ".
وَلَمْ يَكْتَفِ أَبُو حَامِدٍ بِهَذَا الْكَلَامِ بَلْ يُقَدِّمُ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ مَا يَقُولُ، وَيَتَّجِهُ إِلَى صَدْرِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَجَالِسُ الصَّحَابَةِ، فَيَقُولُ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاحِدًا بِهِ مُنْكِرًا، فَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِلَّا وَرَآهُ يَتَلَالَأُ بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةِ، قَالَ وَاللَّهِ مَا هَذَا بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَسَأَلَهُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ.
وَجَاءَ آخَرُ إِلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ بَعَثَكَ نَبِيًّا فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَيْ وَاللَّهِ، اللَّهُ بَعَثَنِي نَبِيًّا فَصَدَّقَهُ بِيَمِينِهِ وَأَسْلَمَ.
وَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَمْ يَشْتَغِلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْكَلَامِ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ بَلْ كَانَ يَبْدُو نُورُ الْإِيمَانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ لُمْعَةً بَيْضَاءَ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَزْدَادُ إِشْرَاقًا بِمُشَاهَدَة تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ السَّدِيدَةِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ.
يَقُولُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ"فَلَيْتَ شِعْرِي مَتَى نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ -رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- أَنْ قَالُوا لِمَنْ جَاءَهُمْ مُسْلِمًا".
الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْأَعْرَاضِ، وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ حَادِثٌ"?."