وَيَسْأَلُهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ"أَيُّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ فَإِنِّي سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ، كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلنَّهَارِ، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَانْظُرْ هَلْ لِهَذَيْنِ خَلْفٌ وَعَنْهُمَا مِنْ عِوَضٍ؟."
الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ هَذَا يَقُولُ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَعَنْ أَصْحَابِهِ"حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، وَيُحْمَلُوا عَلَى الْإِبِلِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ"إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَالشَّيْءُ غَيْرُ الْمَشِيءِ، فَاشْهَدْ عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ". .
فَإِذَا انْتَقَلْنَا إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- نَجِدُ إِنْسَانًا جَدِيدًا مِنْ مَدْرَسَةِ الْقُرْآنِ، أَنْفَقَ عُمُرَهُ فِي جَمْعِ حَدِيثِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَدْوِينِهِ، وَتَحَمَّلَ الْكَثِيرَ مِنْ قَسَاوَةِ السَّجْنِ وَالتَّعْذِيبِ، لِيُبْطِلَ مَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ، وَصِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
يَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِأَحَدِ طُلَّابِهِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ رَايَهُ فِي هَؤُلَاءِ أَصْحَابِ الْكَلَامِ"لَا تُجَالِسْهُمْ، وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ".
وَقَالَ لَهُ إِنِّي رُبَّمَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ"."
قَالَ"اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُنَصِّبَ نَفْسَكَ وَتَشْتَهِرَ بِالْكَلَامِ، لَوْ كَانَ فِي هَذَا خَيْرٌ لَتَقَدَّمَنَا فِيهِ الصَّحَابَةُ، هَذِهِ كُلُّهَا بِدْعَةٌ".
قَالَ الطَّالِبُ إِنِّي لَسْتُ أَطْلُبُهُمْ، وَلَا أَدُقُّ أَبْوَابَهُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْكَلَامِ، وَلَا أَحَدَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا أَصْبِرُ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ.
قَالَ أَحْمَدُ"إِنْ جَاءَكَ مُسْتَرْشِدٌ فَأَرْشِدْهُ وَكَرَّرَهَا مِرَارًا".
رَحِمَكَ اللَّهُ يَا إِمَامَ السُّنَّةِ، وَمَا أَحْوَجَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْآنَ أَنْ تَسِيرَ كَمَا سِرْتَ، وَأَنْ تَنْهَجَ كَمَا نَهَجْتَ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى رَايِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَالَّذِي هُوَ عِنْدَ"الطُّرْطُوشِيِّ"رَجُلٌ مُظْلِمُ الْجَهَالَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَكَادَ يَنْسَلِخُ مِنَ الدِّينِ.
بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَكَادَ الْإِجْمَاعُ يَنْعَقِدُ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ.