الصفحة 34 من 69

ففي الصحيحين أن زيد بن ثابت لما نزلت: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] كتبها له [1] . وكتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وشُرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم.

إسلام معاوية عام الفتح

وأما قوله:"إن معاوية لم يزل مشركًا مدة كون النبي صلّى الله عليه وسلّم مبعوثًا".

فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بنحو ثلاث سنين، فكيف يكون مشركًا مدة البعث. ومعاوية رضي الله عنه كان حين بُعث النبي صلّى الله عليه وسلّم صغيرًا، كانت هند ترقِّصه. ومعاوية رضي الله عنه أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرًا ومحاربة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من معاوية.

فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقَّدمين للكفار يوم أحد، رؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان أبو سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة من أحسن الناس إسلامًا، واستشهدوا رضي الله عنهم يوم اليرموك.

ومعاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذى للنبي صلّى الله عليه وسلّم لا بيد ولا بلسان فإذا كان من هو أعظم معاداة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من معاوية قد حَسُن إسلامه، وصار ممن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية رضي الله عنه كذلك؟

(1) الحديث عن براء بن عازب رضي الله عنه في: البخاري 6/ 48 (كتاب التفسير، لا يستوي القاعدون ... ) ؛ مسلم 3/ 1508 - 1509 (كتاب الإمارة، باب سقوط الجهاد عن المعذورين) ولفظ مسلم ... أنه سمع البراء يقول في هذه الآية: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 95] فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيدًا فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} . والحديث بمعناه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه في المسند (ط. الحلبي) 5/ 191؛ سنن أبي داود 3/ 17 (كتاب الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر) . وانظر تفسير ابن كثير لآية 95 من سورة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت