القصد وفعل ما أمُر، وإن أخطأ فيكون له فيه أجر، ليس من الاجتهاد الذي يكون له في أجران؛ فإن هذا إنما يكون إذا وافق حكم الله في الباطن.
كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران" [1] . ومن الاجتهاد أن يكون وليّ الأمر - أو نائبه - مخيرًا بين أمرين فأكثر، تخير تحرٍّ للأصلح، لا تخير شهوة، كما يُخيَّر الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء عند أكثر العماء.
فإن قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] ليس بمنسوخ. وكذلك تخيير من نزل العدوّ على حكمه، كما نزل بنو قريظة على حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأله حلفاؤهم من الأوس أن يمنَّ عليهم كما منَّ على بني النضير حلفاء الخزرج، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "ألا ترضون أن أحكِّم فيكم سعد بن معاذ سيد الأوس؟ " فرضيت الأوس بذلك، فأرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم خلف سعد بن معاذ، فجاء وهو راكب، وكان متمرضًا من أثر جرح به في المسجد، وبنو قريظة شرقي المدينة بينهم نصف نهار أو نحو ذلك، فلما أقبل سعد رضي الله عنه قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "قوموا إلى سيدكم" فقاموا وأقاربه في الطريق يسألونه أن يمنَّ عليهم، ويذكِّرونه بمعاونتهم ونصرهم له في الجاهلية، فلما دنا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم فيهم، فحكم بأن تُقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات". والحديث ثابت في الصحيحين.
وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن بُريْدَة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" [2] .
(1) الحديث عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في: البخاري 9/ 108 (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ) ؛ مسلم 5/ 131 - 132 (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد ... ) ولفظ الحديث فيهما: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". وجاء الحديث بلفظ آخر عن عبد الله بن عمرو عن أبيه رضي الله عنهما في المسند (ط. المعارف) 11/ 39 - 40 (رقم 6755) وفي مسند عمرو (ط. الحلبي) 4/ 198 - 205. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه 11/ 41:"ورواه الدارقطني (ص:510) والحاكم (4: 88) ."
(2) هذا جزء من حديث طويل عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه وأوله في: مسلم 3/ 1356 - 1358 (كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء ... ) :"كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه ... ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله ... وإذا حاصرت حصن، فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله ... ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا". والحديث - مع اختلاف في اللفظ - في: سنن أبي داود 3/ 51 - 52 (كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين) ؛ سنن الترمذي 3/ 85 - 86 (كتاب السير، باب ما جاء في وصية النبي صلّى الله عليه وسلّم في القتال) ؛ سنن ابن ماجه 2/ 953 - 954 (كتاب الجهاد، باب وصية الإمام) ؛ المسند (ط. الحلبي) 5/ 358.