فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 1574

ـ هو لك بعد أن نتسلم المعونة، والآن منك الإذن.

ـ لا والله لن أسمح لك قبل أن تشرب الشاي الأحمر معي.

احتسى أبو أحمد الشاي القرمزي بتلذذ، وغاصت عيناه في الأسلحة المعلّقة على الجدران، والمتراكمة على الطاولات... كان الوحيد الماهر الحاذق في إصلاح صنوف الأسلحة كافة، والخبير في الذخائر وصناعتها، وقد أدرك أبو ياسين سر نظرات أبي أحمد، فقال له على الفور:

ـ لولا حاجة الأتراك الماسّة لي لما استطعت أن أعرض بضاعتي في بيتي... انتظرني لحظة لأريك نوعًا جديدًا من السلاح... انتظرني...

بخطىً عرجاء سار أبو ياسين إلى طاولة منفردة في أقصى الغرفة ولملم أشلاء مسدس كبير، فركّبها بسرعة مذهلة بعد أن نظّفها بخرقة ملساء، وهرول بها إلى أبي احمد.

ـ ما هذا؟

ـ إنه سلاح أحد شيوخ البادية، استعصى عليه، فأعطاني إياه لأصلحه له، ورآه ضابط تركي فعشقه، وعرض عليّ مبلغًا كبيرًا من المال لقاء اقتنائه، فاعتذرتُ بحجة أنه لا يعمل، حاول أكثر من مرة، وفي كل مرة تكبر عروضه المغرية، وآخر عرض طلب مبادلته بعشرة مسدسات صغيرة مع ذخائرها، فأقسمت له كذبًا أنه يحتاج إلى قطع غيار غير متوفرة ولا أستطيع تعويضها، فرحل مطمئنًا ومتحسرًا بآن واحد.

هزّ أبو أحمد رأسه، وهو يتأمل وجه أبي ياسين الطيب محدثًا نفسه: والله لو طلب مني ابنتي حميدة لما ترددت في قبول طلبه لأنَّه رجل شريف وأمين وكريم ووطني.

نهض أبو أحمد، وهمّ بإلقاء تحية الوداع، لكن أبا ياسين اعترضه قائلًا:

ـ بعد صلاة العشاء سنلتقي في مضافة علي بك.

أليس كذلك؟

ـ لست أدري والله.

ـ لا. لا... أريدك إلى جانبي لأمر مهم.

ـ كما تريد إن شاء الله.

الشمس عليلة تنثر في الأفق دماءً قانية تنعكس على صفحة النهر الذي سكنت جرائره... الأشجار بدأت تستعيد عافيتها، والزروع طاولت أعناقها بتحدّ، وكل شيء على مد البصر يوحي بالخير والأمل، وكان أبو أحمد يراقب الضوء المذاب في الأفق لحظة الغسق، ويستقبل هواءً باردًا منعشًا يهبّ من النهر محمّلًا بعبير أشجار مسك الليل. أحس بسحر اللحظة يصنع خدرًا ناعمًا لذيذًا يسري مع الدم في عروقه، فتساءل لِمَ أكتئب وقد قدّر الله ما قدّر؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت