تأمل أبو أحمد النهر والشجر ووجوه المارة، وأصاخ السمع إلى أصوات البلابل المبعثرة على الأشجار، فوجدها لا تقلّ عذوبة عن صوت الكسّاري... لكن نكبات النهر طغت على كل ما هو جميل وعذب وممتع، فأشاح وجهه وخطا خطوات ثقيلة، وقبل أن يبتلعه الزقاق، قال لولده:
ـ ساعد أمك وأختك في ترتيب البيت يا ولدي، فأنا ذاهب لأرى عمك أبا ياسين ماذا حلّ به هو الآخر، وأساعده إن احتاج إلى مساعدة.
ـ اذهب يا أبي مصحوبًا بالسلامة، وبلّغه تحياتي وأشواقي. إن احتاج إلى مساعدة فأنا جاهز إن شاء الله.
كان الطريق إلى بيت أبي ياسين قصيرًا لكنه متعرج وصعب... مليء بالسواقي الصغيرة والحفر الكبيرة...
اتّكأ أبو أحمد على عصا عجراء، ونقّل خطواته بحذر شديد، رغم ذلك كاد يقع أكثر من مرةٍ حتَّى وصل...
كان أبو ياسين يجلس على مصطبة بيته المرتفع، يتأمّل كل من حوله بقلق، وعندما رأى أبا أحمد مقبلًا هبط الدرجات الخمس بسرعة، واحتضنه بلهفة، وأمطره بوابلٍ من الأسئلة:
ـ طمّني يا أبا أحمد إن شاء الله خفيفة؟
طمّني هل أنتم بخير جميعًا؟
طّمني هل الأصبغة والأصواف سالمة؟
خلّص أبو أحمد جسده النحيل من ساعدي أبي ياسين بصعوبة بالغة، وتمتم بأسى:
ـ الكل بخير... والأضرار يعوّضها الله.
ـ ألم ينصحك أبي رحمه الله أن تجعل بيتك على مرتفع كما فعل؟
ـ بلى والله نصحني، وقد خاب أملي في السدّة التي عملتها (النافعة) والألسنة الصخرية التي امتدت على ضفاف النهر...
ـ هيا ادخل الآن لنشرب الشاي الأحمر.
ـ لا. هيا بنا لنطمئن على أبي عدنان المختار...
ـ المختار مازال يدور على البيوت ليطمئن على أحوال سكانيها. لقد رأيته منذ فترة وجيزة مع أبي طارق وأبي سلطان الجابي... اطمئن سيمرّون عليك، أمَّا الآن فتعال ادخل بيتي لأفضي لك بسرّ.
دخل أبو أحمد والهمّ يتملكه، تسمّرت عيناه في عيني أبي ياسين فرآهما فرحتين...
ـ أرى البسمة على شفتيك وفي عينيك يا أبا ياسين؟
هل عثرت على شريكة الحياة؟
ـ شريكة الحياة يا أبا أحمد ستأتي عاجلًا أو آجلًا، أمَّا سبب سعادتي يخصّك ويخصّ كل بيت تضرر من الفيضان.
ـ أفصح يا أبا ياسين...
ـ قرّر (علي بك) البارحة أن يعطي لكل صاحب بيت متضرر كيسين من الطحين، وكيسين من البرغل وبعض السكر والشاي السيلاني.
ـ أهذه نكتة يا أبا ياسين؟
ـ لا والله إنها حقيقة.
ـ إذن لك البشارة، أتريد عصيدًا أم هبيطًا؟
ـ الهبيط يا أبا أحمد أرجوك.