ـ لو وزّعوا علينا الألبسة وقليلًا من الزيت لكنّا لهم من الشاكرين.
ضحك أبو ياسين عاليًا دون أن يعي، وكان علي بك يراقب المشهد بصمت، فاقترب شيئًا فشيئًا من أبي أحمد حتَّى تنبّه له، فوقف أبو أحمد احترامًا وتقديرًا له.
ـ ما بك يا أبا أحمد؟
تلعثم أبو أحمد، ولم ينبس ببنت شفة، فوقف أبو ياسين وقال:
ـ إن أبا أحمد كان يقول لي: ليتهم وزّعوا علينا الألبسة وبعض الزيت، ليضاعف الله لهم الأجر.
ربّت على كتف أبي أحمد قائلًا:
ـ سيكون ذلك غدًا إن شاء الله.
دخل المضافة عدد من كبار الملاكين والتجار، فبالغ علي بك في إكرامهم، ووقف لهم كل الجالسين...
كان الجالسون يعرفونهم حق المعرفة، ويعرفون أيضًا كيف نمت ثرواتهم حتَّى أصبح الواحد منهم يملك عدة قرى، لكن الذي يشفع لهم أنهم كرام يبذلون بسخاء إن طلب منهم أحد المتنفذين من ذوي الرتب والألقاب...
قال علي بك:
ـ لقد جئتم والله في وقتكم، كنت على وشك أن أرسل في طلبكم؟
قال كبيرهم:
ـ أنت تأمر يا أبا راغب، ونحن ننفذ إن شاء الله.
ـ الأمر لله وحده، وكل ما نطلبه باسم المتضررين والمنكوبين زيادة الدعم ليشمل الملابس والزيت...
ـ الملابس والزيت والسمنة والمال أيضًا يا أبا راغب... أريد منك أن تشكل لجنة لتوزيع المساعدات صباح الغد.
ـ اللجنة مشكلة وهي برئاسة المختار وعضوية أبي طارق وأبي ياسين.
ـ على بركة الله، وفي الصباح ستجدون ما يسرّكم.
صاح أبو أحمد فرحًا:
ـ الله أكبر... المال أيضًا؟!
قال علي بك:
ـ أجل يا أبا أحمد... المال من أجل أن تستعينوا به على الأيام العصيبة التي ستمر عليكم.
تململ أبو ياسين، وتطاول عنق أبي سلطان، وتمتم أبو صادق:
ـ أيام عصيبة أخرى غير التي مرّت علينا؟!
ـ أدعوا الله جميعًا لأن يرحمنا ويلطف بنا... يا إخوتي ربَّما لا تعلمون بأن المشفى الوحيد في المدينة به مئات المرضى، وليس لدينا سوى طبيبين واحد حكومي والآخر محلي، ولا يستطيعان القيام بواجباتهما الإنسانية كما يتمنيان، وأفواج المرضى والمنهكين تتهافت عليهما كل يوم...
ـ مرضى ومنهكون؟! ماذا جرى لنا؟!
ـ يا أبا صادق يسترها ربك... إخواننا الأرمن الذين هُجّروا إلى دير الزور في محنة، وهم بحاجة إلى عون من الله ومنكم... سيقع على عاتقكم إيواء بعضهم وإطعامهم وإلباسهم، وسأحث عشائر اللواء ورجالاتها الخيّرين على فعل ذلك.