الأنبياء (31) وروي عن النبي (ص) قوله"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر"وهكذا كانت صلاة النبي شعيب تأمره وتنهاه (32)
هذه الآية حكاية عن ما قاله قوم شعيب له حين نهاهم عن بخس المكيال والميزان وأمرهم بإيفاء الحقوق، وقد أرادوا بـ الصلاة الدين، اي ما كانوا يرونه من صلاته لله وعبادته إياه، وإنما أضاف ذلك إلى الصلاة، لأنها بمنزلة الأمر بالخير، والنهي عن المنكر (33) قالوا ذلك لأنه كثير الصلاة، وكان يقول إذا صلى: إن الصلاة رادعة عن الشر، ناهية عن الفحشاء والمنكر (34) .
وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك، فقال بعض البصريين: معنى ذلك: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أن أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وليس معناه: تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، لأنه ليس بذا أمرهم، وقال بعض الكوفيين نحو هذا القول، وفيها وجه آخر يجعل الأمر كالنهي، كأنه قال: أصلاتك تأمرك بذا وتنهانا عن ذا؟ فهي حينئذ مردودة على أن الأولى منصوبة بقوله تأمرك، وأن الثانية منصوبة عطفا بها على ما التي في قوله: ما يعبد، وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه ما تشاء، فمن قرأ ذلك كذلك فلا مؤنة فيه، وكانت أن الثانية حينئذ معطوفة على أن الأولى (35) 0
وكان قول قوم شعيب له (ع) ردًا منهم لحجته عليهم، ومرادهم أنا في حرية فيما نختار لأنفسنا من دين أو نتصرف في أموالنا من وجوه التصرف ولست تملكنا حتى تأمرنا بكل ما أحببت أو تنهانا عن كل ما كرهت فإن ساءك شئ مما تشاهد منا بما تصلي وتتقرب إلى ربك وأردت ان تأمر وتنهى فلا تتعد نفسك لأنك لا تملك إلا إياها، وقد أدوا مرادهم هذا في صورة بديعة مشوبة بالتهكم واللوم معا ومسبوكة في قالب الاستفهام الانكارى وهو ان الذي تريده منا من ترك عباده الأصنام، وترك ما شئنا من التصرف في أموالنا هو الذي بعثتك إليه صلاتك وشوهته في عينك فأمرتك به لما إنها ملكتك لكنك أردت منا ما أرادته منك صلاتك ولست تملكنا أنت ولا صلاتك لأننا أحرار في شعورنا وإرادتنا لنا ان نختار أي دين شئنا ونتصرف في أموالنا أي تصرف أردنا من غير حجر ولا منع ولم ننتحل إلا ديننا الذي هو دين آبائنا ولم نتصرف إلا في أموالنا ولا حجر على ذي مال في ماله، فما معنى ان تأمرك إياك صلاتك بشئ ونكون نحن الممتثلون لما امرتك به؟ وبعبارة أخرى ما معنى ان تأمرك صلاتك بفعلنا القائم بنا دونك؟ فهل هذا إلا سفها من الرأي؟ وقد ظهر بهذا البيان أولًا: إنهم إنما نسبوا الأمر إلى الصلاة لما فيها من البعث والدعوة إلى معارضة القوم في عبادتهم الأصنام ونقصهم المكيال والميزان، وهذا هو السر في تعبيرهم عن ذلك بقولهم: (أصلاتك تأمرك ان نترك) الخ، من دون ان يقولوا: أصلاتك تنهاك ان نعبد ما يعبد آباؤنا؟ مع ان التعبير عن المنع بالنهي عن الفعل اقرب إلى الطبع من التعبير بالأمر بالترك (36) 0
سادسًا: النبي إبراهيم (ع) كان مصليا أتضح ذلك من قوله تعالى {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} (37) وقد ناقشنا ذلك في موضوع مستقل (38)
سابعًا: النبي موسى (ع) : جاءت صلاته في قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (39) كان مصليا في قبره، وهذا ما روي عن النبي (ص) قوله"مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره" (40) عند الكثيب الأحمر وعلق على ذلك الطبراني"لم يرو هذا الحديث عن عوف الا صلة بن سليمان، تفرد به: محمد بن حرب (41) 0"
ثامنًا: النبي عيسى (ع) رآه النبي محمد (ص) في الإسراء والمعراج في الجنة يصلي (42) 0
وهناك مصلّين غير الأنبياء منهم:
أولًا: أصحاب الكهف، وكان احدهم مصليا وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وقد اظهر ذلك عندما كان يشتغل في احد الحمامات، وهذا ما أشار إليه عبد الرزاق بقوله"فأتى حماما فكان قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه ويؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ودر عليه الرزق ففوض إليه وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماوات والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيأة، وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت فكان ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره"