وكانت مدينة المراوعة كعبة الطلاب من مختلف البلدان، فكانت تضاهي مدينة زبيد (2) ؛ لما بها من كثرة الوافدين لطلب العلم؛ ولما فيها من علماء أجلاء محققين، أنفقوا نفائس أوقاتهم في النهل من نمير العلم في مختلف الفنون، وعمروا أوقاتهم بالمطالعة والتدريس والإفتاء، وقد ساعدهم على ذلك توفيق الله عز وجل وإخلاصهم وإقبال الطلاب على التعلم، إضافة إلى ما هم فيه من الزهادة والورع وكثرة التنسكات، فغالبهم لا يفوته قيام الليل مهما كانت الأحوال، وجلهم بل كلهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب، وعلى الجملة فأرواحهم طاهرة وأسرارهم ظاهرة.
نشأ المترجم له في هذه البيئة العلمية، فقرأ القرآن برواية قالون عن نافع وأتقن القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وغير ذلك، ثم قصد حلقات العلم المنعقدة في المساجد والبيوت برغبة أكيدة وذكاء حاد، حتى كان من رآه في تلك السن ورآى اجتهاده وهمته أيقن أنه سيكون من كبار العلماء وقد كان كذلك .
فلازم شيخ الإسلام السيد عبدالرحمن بن محمد الأهدل، وقرأ عليه في التوحيد والتفسير وعلومه، والحديث وعلومه، وفي العربية بجميع فروعها، والفقه وأصوله والمنطق وغير ذلك من العلوم الأدبية والعقلية.
كما أخذ عن السيد العلامة عبد الرحمن بن حسن الأهدل.
وعن السيد العلامة محمد بن حسن بن عبد الباري الأهدل وغيرهم من أسرته وآبائه بني الأهدل، وجد واجتهد حتى بلغ درجة الفضلاء والعلماء.
وتصدر للتدريس والإفتاء بعد أن منحه شيوخه الإجازة العلمية، فاستفاد به كثير من طلبة العلم.
وقد تتلمذ على يده الكثير منهم ممن كانوا يحضرون دروسه التي كان يلقيها في المسجد أو في بيته، وكانت دروسه متميزة بالتدقيق، متسمة بالتحقيق لا ينتقل من عبارة إلى أخرى إلا بعد أن يوفيها حقها من الشرح والإيضاح.
وقد أخذ عنه خلق كثير وهم على قسمين:
قسم يعتبر من أقرانه وزملائه، ولكنهم أخذوا عنه لما لديه من التحقيق منهم: