فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 40

هذا حالهم مع القرآن كما أشرنا هو التَّصَدُّع والخشوع والتواضع، وتشقق البَّدن والقلب عند سماع هذه المواعظ، وتلك الزَّوَاجِر، وتلك الآيات من الوعد والوعيد، وأوامر الله تعالى ونواهيه، وقصص الأنبياء وحكاية المكذبين معهم، وكذلك البُّكاء عند تلاوة هذه الآيات، ومن ثَمَّ كان المؤمن الحافظ لكلام الله تعالى، الحامل لكتابه جل وعلا لابد وأن يكون متميزًا عن المؤمنين الذين لا يتميزون بذلك؛ فيُعْرَفُ بليله إذا النَّاس نائمون، وبنهاره إذا النَّاس مُفْطِرون، وبِبُكائه إذا النَّاس يضحكون، وبصَمْتِه إذا النَّاس يخوضون، وبخشوعه إذا النَّاس يختالون، فهو حامل لواء الإسلام، فلا يلهو مع من يلهو، ولا يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، وإنما له حالٌ أخرى مع الله تعالى أَمْلَتْها هذه المعاني التي ذكرنا.

التحذير من التسويف في الأعمال الصالحات:

ما الذي ينتظره النَّاس وقد مضتْ أعمارُهم وفَنِي شبابُهم، وأوشكوا أن يرتحلوا. وإذا لم يرتحلوا اليوم فَهُم راحلون رغمًا عنهم غدًا أو بعد غد. وإنَّ غدا لناظره قريب.

ماذا ينتظرون وكل يوم يقول غدًا سأفعل، وبعد غدٍ سأفعل؟

مَن الذي ضمن له الغد أو بعد غدٍ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر:18] ؟

ما أُوتي القَلْبُ وضَعُفَ وزادت غفلتُه إلا بسبب قول المرء: «بعد أن أنتهي من كذا سأفعل، وبعد أن أرتب كذا سأفعل، وبعد أن ينقضي السفر الفلاني سأفعل، والشّغل الفلاني سأفعل، والزواج الفلاني سأفعل ... » . وكل ذلك من طول الأمل، ووسوسة الشيطان، وإضعاف القلب، وما فعل أحد شيئًا عندما يكون حاله هذا الحال. وهي حالة المؤمنين اليوم.

وإنما المؤمن يأخذ حِذره ويبادر أجله، ويسارع إلى تنفيذ مرضاة ربه سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أنه يوشك أن يؤخذ اليوم أو غدًا، وأن يومه يمكن أن يكون آخر الأيام، أو ليلته تكون آخر الليالي، وأنه يُرْحَلُ به وإن لم يرحل.

في كل لحظة يموت شاب .. أو يموت طفل، وهو ينظر ولا يتأثر ولا يتحرك له ساكن!!

-قيام الليل في شعبان استعدادًا للقيام في رمضان

-وهذا العمل الجديد الذي ينبغي أن - يقوم به المرء في"شعبان"تَحَسُّبًا لـ"رمضان"، واستعدادًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [1] .

-كل تاجر من وراء تجارته، وتجارة القرآن هي التجارة التي لا تبور كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) } [فاطر:30:29] .

وهذه التجارة من القرآن الكريم تظهر في قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا .. » [2] .

-يعني: من قام بهذا القرآن الذي هو من وراء تجارة كل تاجر، من قام به إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، وإذا لم يُعوِّد المرء نفسه في هذه الأيام على هذا القيام الطويل الذي يرجو به المغفرة، ويرجو به الرحمة، ويرجو به العتق من النار، فإن"رمضان"يأتي عليه، ويمر حتى إذا تعوَّد على طول القيام وجد"رمضان"قد انتهى. ولماذا طول القيام؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» [3] , وقال - صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [4] .

-وهذا الأحاديث ننبه بها أنفسنا وإخواننا - المتكاسلين عن القيام لربهم والتلذذ بالإقبال عليه - سبحانه وتعالى -، والمحبة لكلامه والتدبر فيه، وتَنَعُّمِ القلب والبدن بهذه الصلاة، وبذلك الإقبال على الله تعالى.

-من فوائد قيام الليل:

ونذكر شيئا قليلا من فوائد وعواقب قيام الليل حتى يكون ذلك سببا معينا لنا على قيام الليل لله سبحانه وتعالى:

الفائدة الأولى: قيام الليل من أحسن القربات إلى الله تعالى

(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري (37) ، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(2) [متفق عليه] أخرجه البخاري (37) ، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(3) أخرجه مسلم (756) من حديث جابر - رضي الله عنه -.

(4) أخرجه النسائي (3939) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -. قال الحافظ في الفتح (11/ 340) : أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت