أَمَرَهُ أن يختم القرآن في كل سبع: فكان الصحابة يُحَزِّبون كتاب الله تعالى على الأسبوع؛ ليختموا هذه الختمات، فمنهم من يزيد إلى ختمتين في الأسبوع، ومنهم من يَقِلُّ عن ذلك لِأسباب: منها نشر العلم، أو طول التدبر في آيات الله لاستخراج تلك المعاني والأحكام، أو الإقبال عليها. فمنهم من كان يقرأ الآية الواحدة ليله كله يرددها: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} [الجاثية: 21] ، إلى آخر ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن كثير من أصحابه - رضي الله عنهم -، والسلف الصالحين أنهم كانوا يقفون عند الآية الواحدة طُوَال ليلهم يقرأونها.
وهكذا لا ينبغي لك أن تكون من الزاهدين في كلامه، الزاهدين في كتابه جلَّ وعلا.
موانع الوصول إلى أنوار وبركات وشفاء القرآن
ومما ينبغي أن يكون عليه تالي القرآن الكريم وهو يقرأ كلام الله تعالى - ليكون سبب سعادته وتدبره وفهمه، وسبب زيادة بركته وشفائه - أن يتخلَّى عن موانع الفهم، يعني:
أن يتخلَّى المرء عن الموانع التي تمنعه من أن يصل كلام الله تعالى إليه، سواء كانت هذه الموانع في الإصرار على المعصية، أو الابتلاء بالكِبر، أو بالعجب، أو بالهوى المُطاع. فكل هذه الآفات من آفات النفس -وأَخَصُّها هذه التي ذكرنا - تمنع القلب من أن يعي عن الله تعالى، وأن يفهم عنه، وتمنع القلبَ كذلك التدبرَ والتفهمَ والحضورَ والخشوعَ، وكذلك تمنع القلب أن يُخَصِّص نفسه بهذه المعاني التي ذكرها الله تعالى، وأمرهم بها ونهاهم عنها وذكَّرهم ووعدهم وأوعدهم بها. وتمنعه أيضًا عن أن تصل إليه بركات القرآن، وأن يصل إليه شفاؤه وهدايته، وأن تصل إليه رحمته، وأن يصل إليه نوره الذي ذكر الله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] .
فهذا النور الذي إنْ أخذ المرءُ بحظه منه ظهر هذا النور في كلامه وسمعه وبصره وقلبه ويده كما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا , وَفِي بَصَرِي نُورًا , وَفِي سَمْعِي نُورًا , وَعَنْ يَمِينِي نُورًا , وَعَنْ يَسَارِي نُورًا , وَفَوْقِي نُورًا , وَتَحْتِي نُورًا , وَأَمَامِي نُورًا , وَخَلْفِي نُورًا ,وَاجْعَلْ لِي نُورًا» [1] .
كل هذا النور إنما هو من كلام الله - عز وجل - كما قال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] .
هذا النور الذي افتقده النَّاس اليوم إنما افتقدوه لتلك الآفات التي ذكرنا.
ينبغي إذن أن يتحسَّر المرء على مرور هذه الأيام بدون فائدة، فيمر الأسبوع في إثر الأسبوع، ولا يأخذ المرء نَفَسُه بالحزم حتى يمر أسبوعه، وإذا حاسب المرء نفسه فيه لم يجد نفسه قد حَصَّل شيئًا: لا كلام الله تعالى قد ختمه كما يختم الصالحون، ولا في الإقبال عليه، ولا في التدبر، ولا أن يترقَّى به إلى الله تعالى، ولا أن تتحسَّن به أخلاقه ومعاملاته، ولا أن تزيد به طاعاته وقرباته، ولا أن تتخفف به أثقاله وأوزاره، ولا أن يَسْتَشْفِيَ به من علله وأمراضه وأوجاعه.
لذلك: كان تقصير المؤمنين في هذا المعنى من أسوء التقصير، أن يصف الله تعالى لهم الدواء، وأن يُبَيِّن لهم طريق الشفاء، وأن يُنَزِّل عليهم نوره ورحمته، فإذا بهم يبتعدون عنها، وإذا بهم يزهدون فيها، وإذا بهم يتقللون منها، وإذا بهم لا يأخذونها بالقوة التي أمر الله تعالى أن يأخذوا بها كتابه سبحانه وتعالى، يرون أسباب نجاتهم ورحمتهم وشفائهم وائتلافهم، وأسباب قُربهم من ربهم جل وعلا، وإذا بهم معرضين عنها، غير مقبلين عليها، زاهدين فيها! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كيف يسعد المؤمنون بكلام الله تعالى ويتنعمون بالإقبال عليه وتلاوته؟
فهؤلاء الْمُتَخَبِّطُون الْمُتَحَيرون قد بَيَّن الله لهم طريقهم في سلوك هذا الكتاب الكريم، وأحيا قلوبهم حتى تستطيع أن تُقْبِل على كلام الله تعالى بقوله: { (( (( (( (( (( (( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52] .
سمَّاه المولى سبحانه وتعالى روحًا؛ لتوقف الحياة الحقيقة عليه؛ لأن المرء بغيره يكون ضعيفًا، أو ميتًا كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122] .
(1) أخرجه البخاري (6316) ،ومسلم (673) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -.