أما حال الغفلة التي نحن فيها فلا يُرجى من وراءها شيء، لذلك قيل في هذه المعاني: لابد أن يتحقق بها أو ينوي ذلك وإلا كان حاكيًا فقط تلك المعاني. يعني: لابد أن يُشْرَبُها قلبه، وأن تظهر على حاله، وتصرفاته، وأخلاقه وإلا لم يكن قارئًا للقرآن الكريم، وإنما يحكي هذه الأقوال التي يسمعها، فإذا قرأ قوله سبحانه وتعالى في مثل هذه الحال: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة:4] . لابد أن يغلب على قلبه حال"التوكل والإنابة والفهم"عن الله تعالى. وإذا قرأ {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:15] . فلابد أن يغلب على قلبه الحال المتعلق بهذه الآية الكريمة من خوف العصيان وعظم العذاب, وسرعة الإقلاع والندم وعدم الخوف، أو أن ينوي ذلك. وإلا كان حاكيًا مرددًا بلا فهم، وخارجًا عن تدبر الآيات الذي أمر الله تعالى به في قوله - عز وجل: ... {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10] .
وكذلك إذا ما قرأ قوله تعالى: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا} [إبراهيم:12] .
فلابد أن يتصف بهذا المعنى، أو أن ينوي أن يتصف به، أمَّا أن يقول: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ويخرج إلى المعصية والغفلة، ويخرج إلى البعد عن الله تبارك وتعالى، فهذا ليس حال المؤمنين.
تراك تقرأ القرآن متأثرًا به، فاهمًا عن الله تعالى، قد تَوَجَّه الخطاب إليك، أم أن هذا الخطاب مُتَوَجِّهٌ إلى غيرك؟
وهذه حال العبيد العصاة الذينَ ذكرنا: أنه قد جاءهم كتاب الملك فأخذوا الكتاب، وفيه أن يفعلوا كذا وكذا، وأن يتصفوا بكذا وكذا، وأن يحققوا كذا وكذا، وأن يقوموا بكذا وكذا، وهم يقرؤون الكتاب ويغلقونه وينامون ثم يصبحون فيقرؤون الكتاب، ويغلقونه مرة أخرى!
لذلك: لا يكون تاليًا، بل يكون مرددًا .. حاكيًا، بعيدًا عن حاله، بعيدًا عن قلبه، بعيدًا عما يطلبه منه ربه، بعيدًا عن تدبره {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29] .
فلا ينزل القرآن على قلبهم نزول الموعظة والشفاء، وهذه هي الحالة السيئة لابد أن يعالجها المرء هذه الأيام، لتكون طريقه ليُحقق في شهر"رمضان"- شهر القرآن - هذه المغفرةَ التي فتحها الله تعالى له، والرحمةَ التي يُنَزِّلها على عباده الصالحين.
فلابد حينئذ أن تتغير تلك الأحوال التي نحن فيها؛ حتى يُغَيِّر الله تعالى ما نحن فيه من أحوال البُعْد والجفاء والحرمان التي أصابتنا بسبب بُعْدِنا عن القرآن، وبسبب عدم التدبر له والإقبال عليه، ولابد أن يعطيه المرء قلبه، وذهنه وعقله وحضوره ليكون سببًا لرحمته.
انظر كم فرطنا في هذه المعاني، لابد إذن أن يكون ذلك هَمَّ المرء اليوم وغدًا حتى تصلح به أحواله، ويُقْبِلَ بِه على ربه، ويشفى من أمراضه وعلله ليكون بذلك أهلًا لقربه من الله تعالى.
وقد كان السلف الصالحون كما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقْبِلون على هذا الكتاب، فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن يختم القرآن في سبع، وهي الحال الوسط التي ينبغي ألا ينزل عنها المرء إلا لحالات أخرى تعتريه.
ما الذي يجعلك ويَحْمِلُكَ على أن تُفَرِّط في القرآن؟
لو استفدت من وقتك الضائع الذي تُضَيِّعَهُ في الأكل والشرب والكلام، والاستئناس بخَلْقِ الله تعالى وغير ذلك, لو استغللت هذا الوقت، أو لو اهتممت بأن يكون هذا الوقت لكلام الله تعالى لتغير تلك الحال، ولنزلت تلك البركة في وقتك الذي تشكو من قلته، وأنك لا تجد وقتًا للقراءة، ولا للذكر، ولا للصلاة، وأنك لا تجد وقتًا لتحقق به أعمال معاشِك، ولا جلوسك مع أهلك، ولا غير ذلك .. ، كل هذه الأحوال إنما صلاحها في ذلك.
ابدأْ .. وجَرِّبْ مع نفسك لا مع الله - عز وجل - إذ لا تجربة معه - سبحانه وتعالى - فكلامه صادقٌ لا خُلْفَ له.
وانْكَبَّ على كلام الله تعالى، وأقبلْ عليه، وتأدبْ بأدبه، وانظر البركة التي سَتَحُلُّ عليك، وعلى بيتك وأهلك وولدك، وتَحُلُّ على صحتك ومالك ونفسك، وعلى أخلاقك وعملك وعبادتك، وكيف يَصْلُح قلبُك، ويزداد خشوعك وتتحسن أحوالك، وإذا بك متأثرًا خاشعًا، إذا بك مقبلًا متوكلًا حسن الهيئة، قد نوَّر الله تعالى وجهك بما نوَّر به قلبك، إلى آخر المعاني التي قد سمعنا عنها في السلف الصالحين، والتي مازال طريقها مفتوحًا للمؤمنين اليوم.