فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 40

ينبغي أن يعلم المؤمنون أنهم هم المخصوصون المطالبون بهذه الآيات. فما من آية فيها أمر، ونهي، وزجر، وتوحيد، ووعد، ووعيد وكل ذلك إلا وهي مُتَوَجِّهة إليك بالخطاب، إلا وهي تُخَصِّصُك بالقول، إلا والله تعالى يقول لك فيها ذلك، وينبئك بما فيها سبحانه وتعالى ..

حتى ذلك القصص الذي ذكر الله -جل وعلا- قال:

{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود:120] ، يَقُصُ هذا القصص على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ليثبت به فؤاده ..

أنت مخصوص بذلك كذلك، بأن يكون ذلك القصص مثبتًا لفؤادك، رابطًا على قلبك، تنتظر به نصر ربك سبحانه وتعالى، ولك حظ فيه. وانظر إلى هذه الأوامر والنواهي والزواجر والوعد والوعيد في تلك الآيات التي تقرأها وأنت عنها غافل! والتي يُحَدِّثك فيها وأنت ملتفت عنه! والتي يأمرك بها أو ينهاك عنها وأنت تتلوها وتغلقها!

تراك ماذا تنتظر إذا كان تخصيص ربك بكلامه لك، وأنت لا تُخَصِّص نفسك به ولا تستدعي بذلك شيئًا من نفسك؟

المعنى الثالث: التأثر:

ومما يجب أن يَتَّصف به المرء حال قراءة القرآن أن يكون متأثرًا بكل آية بما يليق بها من حال، سواءً كانت في الرجاء أم في الخوف أم في الحزن، لأن آيات القرآن لابد أن يُنَزِّلُها المرء في كل حال على قلبه. فآيات التخويف والوعيد والآخرة والقيامة والأهوال لابد أن تعتري القلب حالة من حالات الخوف بتلاوتها، وإذا كانت هذه الآيات تتكلم في الرجاء، وفي الجنة، وفي العمل الصالح، وفي رضا الله تعالى وفي مسامحته وتجاوزه يَغْلِبُ على قلبه الرجاء.

وإذا كانت الآيات تُبَيِّنُ مقامات الصالحين، وأعمال أولئك المتقين، رأى المرء نفسه بعين التقصير والتفريط، فيغلب حال الحزن على قلبه.

وهكذا لابد وأن تكون تلك الأحوال ملازمة للقلب، وإذا استمرت هذه الأحوال غلبت الخشية على قلب المرء؛ لمعرفته عن ربه، ولفهمه عنه كما قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] .

لذلك ينبغي أن تكون الخشية هي الملازمة لقلب المؤمن؛ لأن آيات التخويف كثيرة، وحتى آيات الرجاء أيضًا إذا أمعنت النظر فيها وجدتها آيات مخيفة.

انظر إلى تلك الآيات التي ظاهرها الرجاء، وباطنها التخويف الشديد حيث يقول الله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82] ، فإذا استبشرتَ بأنه غفار وجدت أن الطريق إلى المغفرة والأسباب التي عَلَّق الله تعالى عليها المغفرة من الصعوبة بمكان، فيغلب على قلبك الحزن خوفا من ألا أن تتصف بها أو لا تقوم بتحقيقها، فيكون الخوف كذلك حتى في آيات الرجاء غالبًا على قلب المرء؛ حتى ينشرح بعد ذلك برحمة الله، ويلِين جلدُه وقلبًه إلى ذكر الله -سبحانه وتعالى- كما هو حال المؤمنين الذي أشرنا إليه.

وهذا التأثر ينبغي أن نراه على أحوال المؤمنين. أمَّا أن يتأثروا قليلًا بالموعظة، وهي الحالة التي نحن فيها، ثم يخرجوا لتنتهي تلك الحال، ويعود المؤمن إلى ضحكه ولهوه، وإلى كلامه، وإلى غفلته، وإلى معافسته أهله وولده، وإلى انشغاله بدنياه، وشغله، وماله فليس ذلك خوفًا محمودًا. وإنما الخوف المحمود هو الخوف الملازم للقلب الذي يمنع المرء من الوقوع في المعصية، والذي يحمل المرء على الطاعة، ويسارع به إلى رضا الله تعالى، وألا يراه حيث نهاه، وألا يفتقده حيث أمره، وأن يكون متوجسًا ليومه وغده، مُتَرَقِّبًا لرحيله، وسرعة الانتقال إلى الله تعالى.

هذا الحال الذي ينبغي أن يكون حال المؤمنين اليوم، فإذا ما قرأ تلك الآيات التي ظاهرها الرجاء، وباطنها التخويف خاف حتى كاد أن يَنْمَحِقَ من الخوف، وإذا قرأ آيات الجنة استبشر وطار بها فرحًا، وإذا قرأ الآيات المتعلقة بربه وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى إذا به يحني لله تعالى جبهته خشوعًا .. وإجلالا .. وتعظيمًا .. وإقبالا .. وتعلُّقًا .. ورجاءً في الله تعالى .. وثقةً فيه .. وتوكلا عليه سبحانه وتعالى، فكلما مرَّت عليه آية تغير حاله بما يناسبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت