فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 40

وأما أحوال الأنبياء، وما ينبغي أن تتفهم منه، فقد رأيت أحوال الأنبياء، ودعوتهم وصبرهم، ومواصلتهم ومثابرتهم، وكيف كذبهم النَّاس. فلك في ذلك أن تتفهم أولًا كيف أنَّ الله تعالى مُستغنٍ عن الرَّسُول والْمُرسَل إليه، مُستغنٍ عن الخلق جميعًا سبحانه وتعالى. وما أرسَل الرُّسُل ليُعَذَّبوا وليُؤذوا وليقع لهم ما حدث، وإنما أرسلهم ليعتبر المعتبرون بعدَهم بصبرهم وثباتهم على دعوتهم، وأن الله تعالى أيَّدَهم ونصرهم في نهاية المطاف، مع ما بين سبحانه وتعالى من قوة تحملهم وسعة صدرهم وطول دعوتهم وأمدهم؛ آمن بهم النَّاس أم لم يؤمنوا كما ذكر الله تبارك وتعالى عنهم، وكيف كانت دعوتهم إلى توحيده، وإلى نبذ عبادة غيره سبحانه وتعالى، وأنهم لم تَلِن لهم قناة، ولم تضعف لهم عزيمة، ولم يَهِن لهم قلب صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين حتى لاقَوْا الله سبحانه وتعالى.

لك في ذلك التفهم الذي ينبغي أن يكون الدافع لك، والقوة المُحَرِّكة لقلبك، والصبر الذي يحيط بدعوتك وعملك، والثبات والقوة، وقوة الإرادة. وقوة العزيمة، ومواصلة السير إلى الله تعالى، وفي نفس الوقت انتظار نصر الله جل وعلا.

وهذه أحوال المكذبين: تتفهم منها كذلك ما بَيَّن الله تعالى:

أنَّ المكذبين عاقبتهم كعاقبة ما حدث لقوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم فرعون. كل أولئك لم يعجزوا الله تعالى شيئًا. وأنهم مهما عَلَوْ واستكبروا وطال أمدهم وزادت قوتهم وارتفعت دولتهم، إذا ما كذَّبوا ربهم وخالفوا رُسُلهم، وإذا ما بغوا وطغوا وظلموا فإن نهايتهم هي النهاية التي ذكر الله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت:40] .

وإنما بَيَّن ذلك؛ ليكون صبرًا للمؤمنين، وشفاءً لقلوبهم، وانتظارًا لفرج ربهم بعد ثباتهم على دعوتهم، وانتظارهم لنصر ربهم، وعدم يأسهم وقنوطهم. وأنه مهما طال ظلام أيامهم وسواد ليلهم فلابد أن يَنْشَقَّ ذلك الفجر من نصرة الله تعالى لهم، وأن يُزيلَ -سبحانه وتعالى- دولة الكفر التي جثمت على دنيا المؤمنين اليوم.

وذِكْرُ الجنة والنار، والصراط، والبعث، والقبر، والهول، والنشر، كل ذلك تتفهم منه ما يكون سببًا لعبرتك، وسببًا لخوفك، وسببًا لإقبالك على الله تعالى، وسببًا لتوبتك، ومحاسبة نفسك في اللحظات والأنفاس لِتَعُدَّ عليها ما يكون سببًا لنجاتك من النار، ودخولك الجنة، وفوزك بِقُرْب الرب سبحانه وتعالى ورضوانه جل وعلا. وهذه المعاني ملئ بها القرآن الكريم، ولكنْ يَمُرُّ عليها المؤمنون اليوم كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف:105] .

وذلك التفهم هو ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين اليوم، أو حُزْنًا على ترك هذه الحال، أو تَفَكُّرًا فيه ومجاهدة على إصلاح ذلك الحال ..

المعنى الثاني: التخصيص:

هو أن تعلم أن كلام الله -جل وعلا- أنت المخصوص به وأنه يخاطبك أنت بهذا الكلام، فمثلا يقول: سبحانه وتعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [آل عمران:133] فأنت مُطالَب بها .. وهي لك.

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23] ، أنت مُطالَب بها .. وهي لك.

{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ (} [الإسراء:35] ، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (} [البقرة:43] ، أنت مطالب بذلك كله، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (} [الأعراف:199] ، كل تلك الآيات أنت مُخَصَّص بها.

علم الصحابة أنهم هم المخصوصون بهذه الآيات، فتنافسوا فيها. لما قال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [آل عمران:133] علموا أنهم هم المخصوصون بذلك المطالبون به، فسارعوا إلى هذه الأوامر ونفذوها.

واعلم: أن كلام الله تعالى إنما يحتوي على أوامر ونواهي والقَصَص. حتى هذا القصص أنت مأمور بالاعتبار به، وأنه مُتَوَجِّه إليك بالعظة والتذكر ..

كل ذلك أنت مُطالَب به، وأنت غافل عنه، وأنت مُقصِّر فيه، مع أنه مادة حياتك، ومادة رحمتك، ومادة هدايتك. وفي نفس الوقت أنت مسئول عنها عند الله تعالى: أنت تتلو كلام الله جل وعلا ولا تنفذه .. كهذا العبد السيئ الذي أتاه كتاب ملكه أن يفعل كذا وكذا، وكذا، وأن يهيئ كذا وكذا، وكذا، وأن يُرَتِّب كذا وكذا، وكذا، فأخذ كتاب الملك، وأخذ يقرأه ويتلوه ويُغْلِقَه ... يقرأه ويتلوه ويغلقه ... ولم يفعل من ذلك شيئًا ..

تُراه أحق بالمَقَتِ، وتراه أحق بالغضب، وتراه أحق بالتنكيل والتعذيب، أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت