أما في باطن الأمر ، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته ، فلا ريب أنه مثاب على قصده ، ودخل بفعله هذا ـ بهذه النية ـ في النصح لله ، ورسوله ، وأئمة المسلمين ، وعامَّتهم . وسواء كان الذي بيّن الخطأ صغيرًا أو كبيرًا ، فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ( ابن عباس ) التي يشذ بها وأنكرت عليه من العلماء ، مثل: المتعة ، والصرف ، والعمرتين ، وغير ذلك .
ـ ثم ذكر:
أن العلماء ردوا مقالات لمثل: ( سعيد بن المسيب ) ، و ( الحسن ) ، و (عطاء ) ، و (طاووس) ، وعلى غيرهم ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ، ودرايتهم ، ومحبتهم ، والثناء عليهم .
ولم يعد أحد منهم مخالفوه في هذه المسائل طعنًا في هؤلاء الأئمة ولا عيبًا لهم .
وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها ، مثل: (كتب الشافعي) ، و ( إسحاق ) ، و ( أبي عبيد ) ، و ( أبي ثور ) ، ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث.
وإما مراد الرادّ بذلك: إظهار العيب على من رد عليه وتنقصه ، وتبيين جهله ، وقصوره في العلم ، سواء كان رده لذلك في وجه مّنْ رد عليه أو في غيبته ، وسواء كان في حياته أو بعد موته ، وهذا داخل فيما ذمه الله في كتابه ، وتوعد عليه ، في الهمز واللمز.
وهذا كله في حق العلماء ليُقتدى بهم في الدين .
فأما أهل البدع والضلالة ، ومن تشبه بالعلماء وليس منهم ، فيجوز بيان جهلهم ، وإظهار عيوبهم ، تحذيرًا من الاقتداء بهم .
وليس كلامنا الآن في هذا القبيل ، والله أعلم .
ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يُعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر علماء المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ، ومن تبعهم بإحسان .
ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص ، والذم ، وإظهار العيب ، فإنه يستحق أن يُقابل العقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة ) . اهـ