الصفحة 18 من 84

قال:"ثم إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها". وطبعًا هذا فيه ردّ على اللذين زعموا أن البخاري ومسلمًا استوعبا الأحاديث الصحيحة، وبنوا على هذا شيئا آخر وقالوا إن الأحاديث الصحيحة لا تتجاوز ثلاثة آلاف حديث، لأن مجمل ما في البخاري ومسلم- بعدم المكرر- قرابة ألفي حديث ونيف، وهذا الكلام غير صحيح، يدلّ عليه قول البخاري نفسه. قال:"ما أخرجتُ في كتابي هذا كل ما عندي من الصحيح، إنما أخرجت فيه أصحّ الصحيح وتركت من الصحاح لحال الطول"روى هذا عنه إبراهيم بن معقل النسفي أحد رواة كتابه، وصرح بذلك الأئمة مثل أبي بكر إسماعيل صاحب المستخرج على صحيح البخاري، وصرح به أيضًا ابن عبد البر عالم الأندلس الشهير وجماعة أخرى، وصار كالمتواتر عند علماء الحديث بل هو متواتر، فعند علماء الحديث أن البخاري رحمه الله لم تخرج كل الأحاديث الصحيحة، ومن الأدلة على ذلك أن من طالع كتاب (العلل الكبير) لأبي عيسى الترمذي رحمه الله، وهو كتاب يشتمل على أحاديث يسأل الترمذي فيها شيخه البخاري عن جملة من الأحاديث والبخاري يجيب بما عنده من العلم، إما هذا الحديث معلل، وإما صحيح وإما حسن وإما موقوف على حسب ما يجيب البخاري، فيقول: سألتُ محمدًا- أي ابن إسماعيل البخاري- عن الحديث الذي رواه فلان حدثني فلان عن فلان عن فلان فقال هذا حديث حسن أو هذا حديث حسن صحيح أو هذا حديث صحيح، فقد صحح البخاري أحاديث كثيرة في كتاب العلل الكبير للترمذي، بل في كتبه الأخرى مثل التواريخ الثلاثة أيضًا، يخرج أحاديث ويحكم على بعضها بالصحة، فدلّ هذا على أن البخاري لم يشترط جمع الصحيح كله في كتابه، فكل هذه الأحاديث التي صححها لا تكون في صحيح البخاري وإنما تكون في السنن وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت