الصفحة 9 من 49

10)وبين عقلية الاتصالات السياسية والوساطات والتدخلات والشرعية الدولية. وثمة فرق أعظم بين ثقافة الجهاد وثقافة المقاومة والنضال [11] ، وفرق مماثل بين عقلية تستنجد بالله وتستمد النصر من عنده غير آبهة بالنتائج، بعد الإعداد بقدر الاستطاعة، وأخرى تحسب حسابا دقيقا أو مغلوطا لموازين القوى السياسية والعسكرية وما إذا كانت الظروف ملائمة لخوض معركة أم لا.

هذا المنطق الصارم أيضا يمكن استعماله لملاحظة ردود الفعل على فعاليات الجهاد بالمواصفات السلفية، ذلك أن أقل الاتهامات الموجهة للمجاهدين هي الدموية والقتل والإجرام وسفاكو الدماء [12] ، فما تقوم به مثلا دولة العراق الإسلامية والقاعدة ليس من الجهاد في شيء وليس من الأخلاق الإسلامية، أما لماذا؟ فلأن العدو إذا كان يسمح لنفسه بالقتل العشوائي وارتكاب أبشع جرائم الحرب ضد الإنسانية ويستعمل أشد الأسلحة فتكا بما فيها المحرم دوليا فهذا شأنه! أما نحن فأخلاقنا الإسلامية وديننا لا يسمحان لنا بمجاراته في جرائمه ولا بالتشبه بأفعاله، لذا علينا ألا ننزلق إلى أخلاقه!، وكأن خصوم السلفية، بهذا الخطاب، ينتظرون منها جهادا رقيقا ناعما يستجيب للغة العصر ويرأف بالأعداء!، أما {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة 194) فهذه مسألة فيها ما يقال. وغني عن البيان أن مثل هذه الردود لو عملت بها السلفية الجهادية لما كان هناك جهاد إلا بمواصفات سايكس - بيكو الوطنية وهو ما تعده السلفية خارج التوجيهات الدينية ومخالفا للشرع وحينها ما من معنى للغلظة والشدة والإثخان [13] .

لكن الخلاف بين الجهاد الوطني والجهاد السلفي لا يتوقف عند عقلية الشدة والبأس بقدر ما يمتد ليصل إلى تخوم جبهة الأعداء، فالعدو عند السلفية هو عدو سواء كان محليا أو أجنبيا، ولأنه كذلك وحالة العداء قائمة فلا تصالح معه ولا مهادنة، لكنه عند الخصوم يمكن أن يكون بريئا وضحية كما هو الحال بالنسبة لضحايا أبراج التجارة العالمية أو تفجيرات لندن ومدريد وبالي وغيرها أو حتى جنود الاحتلال الأمريكي. أو حين دمرت جماعة التوحيد والجهاد مقر الأمم المتحدة في العراق. وفي المحصلة فإن مثل هذه الأحداث التي خفت حدتها ظلت تستعمل كمبررات للطعن في مشروعية الجهاد العالمي. لكن الأطروحة السلفية تؤكد أن الخلاف قائم ليس على شرعية الأهداف من عدمها بل على مضمون التوحيد نفسه وما يفرضه من اختيارات والتزامات بعكس ما تفرضه المرجعيات الوطنية وتأويلها للتوحيد.

فبعض الجماعات الإسلامية ناهيك عن العلمانية أصبحت مغرمة بعقلية سايكس - بيكو لدرجة أنها لم تعد قادرة على مغادرتها، والأعجب أنها باتت خيارها الذي تدافع عنه بشراسة وتبحث لها عن موطئ قدم وشرعية في إطاره الأمر الذي يعرضها إلى نقد شديد من السلفية الجهادية وهي تأخذ عليها مثلا:

-التفريط بالحاكمية؛

-وتضييع عقيدة الولاء والبراء؛

-والتخلي عن الأهداف التي وجدت من أجلها؛

-وحصر نفسها في أطر ضيقة؛

-وتبعا لذلك السعي للتفاهم مع أعداء الأمة والدين إن لم يكن التحالف معهم؛ وبالتالي فبأي حق ومضمون تعرِّف عن نفسها كجماعة إسلامية؟ [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت