الفيصل في الاجتماع والانقسام، بل هو الفيصل في تقرير الأمور لكل الموجودات من خلق الله وما ينتج عنها. وهذا يعني أنه ما من مرجعية يمكن أن يعتد بها غير التوحيد وإلا فهي باطلة شرعا وقاصرة عقلا، وهذا ينسحب على الأيديولوجيات والسياسات ذات المصادر الوضعية. هذا هو الاعتقاد عند السلفية الجهادية ودونه"زخرف القول والحياة الدنيا". لذا فإن أول ما تعنيه السلفية بالقول أن كل سلوك يخالف عقيدة التوحيد هو بالضرورة سيكون واقعا خارج التوحيد بقدر ما، وفي هذه الحالة فصاحب السلوك المخالف يمكن أن يُحكَم عليه، بحسب قربه أو بعده عن التوحيد: بالآثم أو العاصي أو الفاجر أو الفاسق أو الظالم أو المفارق للجماعة أو الكاذب أو المنافق أو الضال وصولا إلى المرتد والكافر.
بطبيعة الحال تنتظر السلفية الجهادية من إسقاط المفهوم على الحياة الاجتماعية والاقتصادية تغيرا جوهريا في أنماط المعيش والتفكير والسلوك الإنساني والسياسي والاقتصادي والثقافي، بحيث يغدو التوحيد معيارا لسلامة الإيمان وحسن السلوك وعقلانيته بما أنه لن يصدر عن الهوى بقدر ما سيتقيد بمتطلبات الحكم الشرعي، وإذا كانت سايكس - بيكو تهيمن على الأمة عبر تجزئتها وتفكيكها وغزوها بثقافات وافدة واستباحة أراضيها ومقدساتها وحرماتها والمساس بدينها وعقيدتها وفرض الأنظمة والقوانين الوضعية عليها [4] وخلق أنماط ثقافية ومعيشية تلائمها فإن تفعيل ثقافة التوحيد سيكون بالمرصاد لكل مخرجات العقلية الوضعية ومن يدافع عنها أو يروج لها أو يحتمي بها. وسيجد المسلم نفسه، تحت سقف التوحيد، مدعوا للاستجابة {لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال 24) وليس لصناديق الاقتراع والصراعات الفكرية والحزبية والمفاوضات والمساومات والتحالفات المشبوهة والمصالح التنظيمية والحزبية، كما سيجد نفسه مدعوا للاختيار بين ثنائيات القانون الإلهي أو القانون الوضعي، والعدالة الاجتماعية أو الظلم، والاستقامة أو الفساد، والجهاد والتضحية أو السلامة والذل، والتواضع أو الكِبْر، والصدق أو الكذب، والصرامة أو الميوعة، والحق أو الباطل، وهكذا وصولا إلى التوحيد مقابل الشرك.
ورغم أن الحقيقة الصارخة في أيامنا تثبت أن التوحيد غدا، منذ زمن ليس بالقليل، إشكالية عصية على الفهم والالتزام لكن لا مفر منها ولا بديل عنها ولا يمكن المساومة فيها أو عليها، إذ أن التوحيد عقيدة ليست من صناعة البشر ولا الظروف، ولأنها عقيدة ربانية خالصة فهي من الحسم بحيث لا تتقبل أية اجتهادات أو رؤى أو تأويلات خارج ما تفرضه من شروط، ولا تقبل بأية مبررات تاريخية تجاه هذه الجماعة أو تلك، ولا تتسامح مع أية مواقف سياسية إلا بإخضاعها حكما لعقيدة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الشرك والكفر والطواغيت، وعليه فإن التوحيد بالنسبة للسلفية هو عقيدة كالسيف القاطع، تقسم ولا تقبل القسمة، وتأمر فلا تقبل نفاقا ولا كذبا ولا إفكا ظاهرا أو باطنا، وتَقهَر ولا تُقْهَر، وتفضح كل تُقيا ولا تبالي، وتفرض ولا تجادل، وتبقى هي وما دونها من عقائد وأيديولوجيات تزول، أما من اختار الجهاد فله القول الفصل: {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت 6) [5] .وأما من تأول وثَقُل عليه التوحيد فلن يفيده ليّ النصوص ولا العبث بها حتى لو نجح في مسعاه، إذ أن: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف29) ، ولأن"الحق أحق أن يتبع"، فالدوران ينبغي أن يتجه حيث"تدور العقيدة" [6] وليس حيث تستدعي الظروف والمصالح وموازين القوى.
هذا المنطق الصارم يمكن إسقاطه على الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلم والأخلاق والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والروابط القرابية ... والمقارنة مع منطق الوضعية، ولكننا سنتتبعه هنا فقط في ساحات الجهاد حيث