للشخصنة مما يمنحها امتدادات شعبية في شتى أصقاع الأرض، ولو كانت راية التوحيد راية تنظيمية، كما هو الشأن لدى الحركات الإسلامية عامة، لما تجاوزت القاعدة حدود نشأتها، وهذا هو سر انتشارها كفكرة وليس كتنظيم، وهو جوهر المشكلة مع كافة القوى والخصوم لأنها تيار عقدي غير قابل للشخصنة، لذا نؤكد ثانية على أن المشكلة ليست في احتكار القاعدة للجهاد ولا في احتكارها للراية، بدليل أن البداية كانت مع الجهاد الأفغاني ثم تطورت نحو الأفغان العرب ثم القاعدة ثم التيار السلفي بكل أدواته الضاربة، وها نحن نشهد دولة العراق الإسلامية وما بات يتجه نحو حركة الجهاد العالمي في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، لذا فالتفكير في القاعدة وكأنها الوصية على الراية أو الجهاد العالمي هو تفكير عبثي أو مغرض كالشخصنة تماما ليس وراءه من هدف سوى الطعن بالحركة الجهادية العالمية لا أكثر ولا أقل عبر حصرها في تنظيم القاعدة، وتأسيسا على ذلك فإذا ما اختفت القاعدة أو اضمحل نشاطها وذكرها فلأن الأمر وارد ولم يعد يعني الشيء الكثير، وحتى اختفاء رموزها وقادتها لن يغير في الأمر شيء [97] بما أن الحديث الآن عن الراية تجاوز مرحلة التنظيم بالكامل ليغدو حديثا وفعلا عن راية أمة قد يكون للقاعدة السبق في رفعها والتعبير عنها ولكنها بالتأكيد ليست ملكها ولا هي سعت لاحتكارها ولا يحق لها ذلك، وليس أدل على ذلك من ظهور جماعات ضاربة ذات طابع سلفي جهادي ولكنها ليست فرعا من القاعدة ولا من غيرها.
3)أما الإشكال الثالث فواقع في تصريحات الشيخ عطية الله، فقد لا يهتم لها البعض من الجماعات الإسلامية أو ممن"يستحسنون المد في اللحايا ويشرِّعون الجَزْر في العقيدة والتوحيد"، ولكنها بالتأكيد ستلقي بظلالها على جماعة الإخوان المسلمين التي حددها بالاسم كجماعة، من بين جماعات أخرى، غير مؤتمنة على قضايا الأمة والحركة الجهادية العالمية، وهو تصريح غير مسبوق بهذه الصراحة والوضوح، والأكيد أن الجماعة تشعر بأن السلفية الجهادية إن لم تكن قد سحبت البساط من تحت أقدامها فهي على الأقل تزاحمها وتخوض معها صراعا أيديولوجيا وسياسيا مكشوفا جرى التعبير عنه بوضوح وعديد المرات من قبل د. أيمن الظواهري وأبي يحيى الليبي [98] وقادة دولة العراق الإسلامية وغيرهم من رموز السلفية على خلفية اتهام الجماعة بالنكوص عن مبادئها وأهدافها [99] فضلا عن أنها متهمة"بالعمل على تعميم الإرجاء على أوسع نطاق" [100] . وإذا كانت السلفية تقرر أنها لا يمكن أن تسلم القيادة والراية للإخوان المسلمين فهذا يعني أضعف الإيمان، ولكن في معنى آخر قد يشي القرار بأنها لن تغفر للجماعة ما فعلته وتفعله بها في أفغانستان والعراق والجزائر أيا كانت المبررات.
4)ويبقى الإشكال الرابع فيما تكشفه التصريحات الأمريكية للقادة العسكريين، فهؤلاء، سواء صدقوا أو راوغوا، إلا أنهم يقرون ميدانيا أنهم يواجهون خصما عنيدا بلا رحمة ولا يمنحهم أية فرصة للقتال على طريقتهم ووفقا لما تعلموه في كلياتهم الحربية، فهم مصممون على المواجهة والصمود والتحدي مثلما هم مصممون على القتال حتى الموت، وهي حالة فريدة لم يسبق للأمريكيين وغيرهم أن خبروها في أي مكان آخر لا في فيتنام ولا في كوريا ولا في أوروبا. ربما في هذه صدقوا ولكنهم في مسألة الانسحاب مراوغون بلا شك حتى وإن كان القرار السياسي متعلقا بتوصياتهم.