إن أخطر ما تمثل اللغة العربية هو أن قارئها اليوم في العقد الثامن من القرن العشرين، يستطيع أن يقرأ ويفهم ما كتب بها منذ القرن الخامس الميلادي أي ما كتب قبل نزول القرآن بأكثر من نصف قرن، أي: أن تراثًا حافلا قام في خلال هذه الفترة كلها، وأعظمه ما جاء بعد الإسلام بالطبع، هذا التراث هو ملك حر لقراء اللغة العربية، يلمون به إلمامًا صحيحًا؛ وهذا ما لم يتيسر بالقطع لأي لغة في العالم كله اليوم، ذلك أن أي لغة قائمة لا يستطيع قراؤها أن يفهموا من تراثهم إلا ما يجاوز ثلاثة القرون الأخيرة، أما ما يبعد عن ذلك، فإنهم يلتمسون لفهمه المعاجم، إن مرد ذلك هو ثبات اللغة العربية الذي لم يتح لأي لغة أخرى، ومرجع ذلك الثبات إلى نزول القرآن بها وارتباطها به على النحو الذي أنشأ هذه الثروة الضخمة من العلم والتراث والتأليف. ومن هنا أصبح للغة العربية خاصية متميزة لا ###45### تستطيع اللغات الأخرى أن تشاركها فيها، ولا تستطيع هي أن تجاوزها، تلك هي أنها لغة أمة ولغة فكر ودين، فهي لغة الأمة العربية، وهي في نفس الوقت لغة المسلمين جميعًا، لغة فكرهم ودينهم وصلاتهم، ولغة ذلك الرباط الذي يجمعهم بالتشريع والعقيدة جميعًا، وهو القرآن الكريم. ومن هنا كان الخطر الوحيد الذي يواجه أهل اللغة العربية، هو أن ينزلوا عن مستوى أسلوب القرآن، فيصبح أسلوبهم قاصرًا عن فهمه وتعمقه، لأن ذلك من شأنه أن يفصل بينهم وبينه، وذلك هو ما تحاوله القوى الهدامة المعادية للعرب والإسلام والتي تدعوهم إلى ما يسمى باللغة الوسطى أو تقريب الفصحى من العامية. أمامنا القرآن وهو المقياس الثابت وعلينا في كل حركة من حركات الفكر والكتابة والبحث أن نقترب منه ونلتقي به، وعلى العامية أن تقترب من الفصحى، وليس الفصحى أن تنزل إلى العامية ولا ريب أن التعليم كفيل إذا اتسعت آفاقه أن يقلل من الحاجة إلى العامية، وأن يزيد الالتحام بالفصحى، والذوق العربي الإسلامي كله