ثالثًا: هناك فارق أصيل يعزل كلا من اللغتين عن الأخرى عزلا لا توجد معه حيلة للاجتهاد أو المقارنة، فاللغة العربية لغة تقوم على الاشتقاق، ويتوقف فيها المعنى على حركات التعريف وحركات الإعراب وبين لغة هي:"اللاتينية"تقوم على النحت ولصق المقاطع بعضها إلى بعض بغير دلالة لاختلاف الأشكال والحركات، وقد تفردت العربية - حتى بين اللغات السامية - باطراد الأوزان وقواعد التصريف وقواعد الإعراب، فلا مشابهة بينها وبين اللغات الأخرى في هذه الخاصية.
رابعًا: لم تتعرض العربية بعد أن استقرت في العالم ###49### العربي الحالي إلى هجمات وغزوات لغات جديدة كما تعرضت لها اللغة الرومانية من جراء استيلاء القبائل الجرمانية على مختلف أنحاء أوروبا، كما أن البلاد العربية لم تصب بتفتيت سياسي وإداري واقتصادي مثل ما عرفت البلاد الرومانية في عصور الإقطاع الطويلة، كما أن البلاد العربية لم تنعزل عن بعضها البعض انعزالا يشبه الانعزال الذي حصل في البلاد الرومانية، بل ظل الاتصال بين مختلف أقطارها قائمًا بفضل قوافل التجارة وقوافل الحج التي ظلت تنقل جماعات كبيرة من المسلمين كل سنة من مختلف الأنحاء إلى الحجاز.
خامسًا: إن الإسلام قد التزم العربية الفصحى التزامًا تامًا، وظل يساندها ويؤازرها دون انقطاع، ولم تتخل عنها لهجة من اللهجات في وقت من الأوقات. ذلك لأنها لم تعهد بمهمة القرآن إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع وحدهم، كما فعلت الديانة المسيحية في العالم الروماني بالإنجيل، بل فرضت ذلك على كل مسلم ومسلمة، فصار لزامًا على كل فرد أن يتلو طائفة من الآيات القرآنية كل يوم خلال الصلوات الخمس، وقد استتبع ذلك إنشاء مدارس وكتاتيب لتعليم القرآن - قراءة وحفظًا - وكل ذلك حال دون انقطاع صلة العرب بالعربية الفصحى التي ظل يذكرهم بها ويوصلهم ###50### إليها على الدوام - القرآن - عن طريق استماع المستمع والتلاوة المتتالية.