ولا أذهب بعيدًا إذا ما قلت لك ـ أخي القارئ ـ: أن كثيرًا من النزاعات والخلافات التي تحدث بين العلماء وطلاب العلم، وكذلك الاضطراب في تقويم الرجال سببه الرئيسي هو: التعصب والتقليد لأقوال رجل بعينه، ومحاولة معرفة الحق بأقوالهم واتخاذ أقواله حجه في كل شئ؛ لهذا نري أن علماء الأمة ينهون طلابهم وتلاميذهم عند تقليدهم ومتابعتهم بغير برهان وحجة، وذلك لأن التقليد داء ينخر بجسم الأمة ويقضي علي جانب كبير من نشاطها وفعاليتها في ميادين العلم والمعرفة ويخلد بها إلي الكسل والعجز، وأقوال الأئمة في ذم التقليد وأهله مستفيضة أذكر لك منها ما يأتي:
قال أبو حنيفة: (( لا يحل لمن يفتي من كتبي حتى يعلم من أين قلت ) ).
وقال مالك بن أنس: (( أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكلما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) ).
وقال الشافعي: (( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعز عنه. فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خلاف ما قلت: فالقول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي. وجعل يردد هذا الكلام ) ).
وقال أحمد بن حنبل: (( من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال ) ).
وإنما اخترت أقوال الأئمة الأربعة، لأن مذاهبهم وجوه في تفسير الشريعة الإسلامية، ومنافذ تطل عليها. وهي المناهج الرئيسية في البحث والفهم، وهي التي كتب لها أن تبعي بين الناس، ويرجع إليها في مسائل الفروع.
يقول شيخ الإٌسلام في بيان: أنه لا يجب علي كل أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه، وأن هذا الإلزام لا تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، وهو إلزام تنقصه الأدلة، ويعوزه البرهان العلمي، بل هو من أقوال أهل البدع والضلال.
انظر إليه وهو يقول: (( ولا يجب علي أحد من المسلمين التزام مذهب بعينه غير الرسول في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتباع شخص لمذهب بعينه، لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ، ليس هو ما يجب علي كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد كل عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور ويترك المحظور. والله أعلم ) ).