الصفحة 15 من 30

أن يقصد فيه بيان الحق، وأن يكون مصدر كلامه من العلم بالحق والهدي من الله، وأن يكون مخلصًا لله متجردًا له وغايته النصيحة لله ورسوله ولإخوانه المسلمون ثم عليه قبل أن يبدأ في تقويم أي رجل أو نقده أن يفتش في قلبه ويطهره من جميع أنواع الهوى وحب الظهور؛ لكي يكون حكمه منصفًا بعيدًا عن الجور والظلم المذموم، وقد قيل: (( احذروا من الناس صنفين: صاحب هوي قد فتنه هواه، وصاحب أعمته دنياه ) ).

ثالثًا: الحق لا يعرف بالرجال:

هذه المقولة قالها سيد العقلاء علي بن أبي طالب رضى الله عنه، حيث قال: (( لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله ) )، والعاقل ينظر دائمًا الحق، ثم ينظر بعد ذلك في القول نفسه، فإن كان حقًا قبله ورضيه لنفسه سواء كان فاعله باطلًا أو محقًا، ويحرص علي انتزاع الحق ولو من لسان إبليس، فإن الحكمة ضالة المؤمن ينشدها من كل أحد، فإن وجدها فهو أحق بها.

والتقليد: هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة، أو هو قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله، وهو من الآفات المهلكة، والتي لها تأثير بالغ في تاريخ البشرية والفكر الإنساني، فهو يؤدي إلي تعطيل النصوص الشرعية والعمل بها، ويؤدي إلي إهمال العقل البشري والإعمال في ميدانه، فهو آفة مهلكة، حيث أن المقدر لا ينظر إلي المشكلة المتنازع فيها إلا من خلال مقلده، فالحق ما قاله شيخه ومقلده وزعيمه، وإن خالف الدليل الواضح ولو كان الدليل من الكتاب والسنة، والباطل عنده ما خالف قول شيخه ولو دل عليه دليل أنه خلاف الحق والصواب، ولسان حال المقلد يقول الحجة مع شيخي، ولهذا فهو يلوي أعناق النصوص ويطوعها؛ لكي توافق رأيه واجتهاده، ويسخر فكره وعقله؛ لكي يحلل أقوال شيخه وقائدة من أجل أن توافقه النصوص، وقد ذم الله التقليد في كتابه، وشبه أصحابه بمنزلة الأنعام التي لا تفقه ما يقال لها إنما تسمع مجرد أصوات لا تفقه ما وراءها من المعاني والبينات والدلائل قال تعالي: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} (البقرة:170) .

يقول ابن القيم في بيان أن التقليد مذموم محرم في دين الله: (( اتخاذ أحوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع، ولا يلتفت إلي قول من سواه، بل ولا إلي نصوص الشرع إلا إذا وافقت نصوص قوله.

فهذا والله هو الذي اجتمعت الأمة علي أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت