الصفحة 10 من 43

على دخول هؤلاء في الوعيد [1] ، ومرة قال ص 251 إن ابن القيم استثن غير المفرط في طلب العلم والهدى).

ثم قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على أربعة أصول:

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى ... (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال تعالى (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقال تعالى (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء) ... وقال تعالى (فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير) وقال تعالى (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) .

وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، قال تعالى (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) ... والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته بوجه، وأما من لم يعرف ما جاء به الرسول وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم.

الأصل الثاني أن العذاب يستحق بسببين أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها [2] ، الثاني العناد [3] لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل [4] مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب [5] عنه حتى تقوم حجة الرسل

(1) ـ دخلوا في الوعيد لأنهم عرفوا وقامت عليهم الحجة فالوعيد مناط الحجة والاسم مناطه قيامه فيه.

(2) ـ أصبح كفر الأعراض ـ وأحيانا يسمى كفر الجهالة لا الجهل ـ له أنواع قائمة على إحدى ثلاث: أ ـ الأعراض عن الحجة وهذا لمن علم بها ـ ولا أقول سمع بها لأن هناك فرق بين العلم فقط وبين السماع، والعلم معناه لم يسمعها بنصها لكن علم من مصدر ما أن هناك إسلام وتوحيد يخالف ما هو عليه ـ لكن لم يهتم بها ويأخذها مأخذ الجد مع أنه جاهل. ب ـ عدم إرادتها مع انه سمعها لكن لم يردها ويتطلع إليها وتتعلق نفسه بها. ج ـ عدم العمل بها وبموجبها فهو علم بالحجة وسمعها مريدا للسماع لكن توقف عند إرادة السماع بعد السماع ثم لم يهتم بالتنفيذ والعمل والمتابعة مع أنه جاهل. أما قوله بموجبها فلا أدري ما معناه؟. وفيه احتمل أن معنى عدم إرادتها أي عدم محبتها، فتفسر الإرادة بالمحبة وعلى ذلك يكون التفسير أنه علم وتمكن من الحجة لكن لم يحب أن يسمعها.

(3) ـ وشرط العناد: أ ـ أن يسمعها. ب ـ أن يعرف أن ما فيها صحيح، فان لم يسمعه فهذا إما إعراض أو جهل، فان سمعها لكن ظن أن ما سمعه غلط وليس بصحيح وأن ما هو عليه من الشرك والكفر هو الصحيح فهذا كفر تأويل أو تقليد ولا يعني انه يعذر به، لا، بل لا عذر بالتأويل ولا التقليد في أصل الإسلام، لكن قلنا هذا الكلام للتوضيح والشرح. أما أنواع العناد فقد ذكر ابن القيم نوعين: أ ـ قال العناد لها بعد قيامها: أي سمعها وعرف أن الكلام حق لكن رفض عن بصيرة الأخذ بها فيما يتعلق بالقلب. ب ـ قال ترك إرادة موجبها: أي سمعها وعرف أن الكلام حق لكن لم يعمل عن بصيرة فيما يتعلق بالجوارح ـ أو لم يحب إذا فسرنا الإرادة بالمحبة كما سبق ـ وكفر العناد يتفرع عنه كفر التكذيب والجحود والاستكبار والإباء في بعض صوره. فالعناد أصل لما سبق.

(4) ـ جعل ابن القيم كفر الجهل قائما على نوعين: أ ـ عدم قيام الحجة أي لم يسمعها ولم يتمكن منها لكونه في بادية أو مفازة بعيدة أو حديث عهد بكفر أو عاش ونشأ في بلاد كفر منقطع به عن أهل الإسلام، هذا من لم تقم عليه الحجة هنا. لكنه ليس بمسلم وليس معنى أنها لم تقم عليه الحجة أنه يسمى مسلما جاهلا فليس كذلك كما نقل ابن القيم الإجماع كما سبق أن من لم يوحد الله فليس بمسلم كائنا من كان اصليا أو ادعى القبلة، فقال: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل اهـ بحروفه. ويخطئ كثير من الناس إذا قيل انه جاهل خالف في باب أصل الدين أنه معذور، فيظن أنه معذور في باب الأسماء والأحكام وهذا خطأ بل معذور في باب الأحكام لا الأسماء إلا اسم الكفر فهو معذور فيه ـ أي كفر التكذيب والعناد والعذاب لأنه لم تبلغه الحجة، لكنه ليس بمسلم بل مشرك خارج عن الملة وان لم يسم كافرا. ونقل أئمة الدعوة الإجماع على ذلك.

قال عبد اللطيف في منهاج التأسيس ص 23/ 24 في رده على العراقي الذي يظن أنه إذا قيل لا يعاقب أنه دل على انتفاء الاسم والحقيقة، فقال إن العراقي يظن أن الشرك والكفر والفسوق لا يتحقق مسماها ولا يكون إثما إلا إذا عوقب صاحبه بالنار فإن منع مانع من العقاب انتفى الاسم والحكم، فسبحان الله والله أكبر ما أقل حياء هذا الرجل وما غلظ فهمه وما أكثف حجابه ... قال وهب أنه لا يعاقب فما الذي منع تحريمه وقلب مسماه وأحاله أن يكون شركا اهـ.

ب ـ النوع الثاني من أنواع عذر الجهل: قال ابن القيم عدم التمكن من معرفتها: لكونه صغيرا أو مجنونا أو لم يحضر ترجمان كما سوف يذكر هو في آخر كلامه. ومع ذلك فليس بمسلم وان كان لا يعذب حتى يبلغ أو يصحو من الجنون المطبق (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وعند مسلم أو يشركانه) . فسمى الطفل والمجنون يهوديا ومشركا مع أنه لم يدرك أصلا لكن لا يعذب حتى تقوم الحجة.

مسألة: فالجهل والإعراض أسماء شرعية لها حدود في الشرع وعدم فهم ذلك يؤدي إلى تعد لحدود لله، ولذا من قال مثلا ما القول في رجل يذبح لغير الله مثلا وهو في دولة عربية أو دولة شعوبها إسلامية مثلا هل يعذر بالجهل فالسؤال خطأ، لأن هذا معرض لا جاهل ما دام انه عائش بين المسلمين فقد تمكن من الهداية، والصحيح أن يقال معرض لا جاهل. لكن صحة السؤال لو قال ما القول في رجل في بادية بعيدة أو حديث عهد ذبح لغير الله؟ فهنا يقال هذا جاهل معذور لا يعاقب ولا يكفر حتى تقوم الحجة، لكنه مشرك ليس بمسلم بل خارج عن الملة هذا في الدنيا.

(5) ـ لاحظ نفى التعذيب ولم ينف أن يُسمى باسم ما وقع منه من شرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت