والصحوة في جوهرها تيار عاطفي ضخم. تيار مؤمن بالإسلام ومبادئه, ولكنه قليل الخبرة، ضحل المعرفة بتفصيلات واقعه. تيار يفتقد الخبرة والصبر ليكتشف مناهج التغيير وطرائقه. تيار يتعجل قطف الثمار ولا يحسن فن ترقب الفرص. وفي خضم هذه العجلة دفعت الأمة وطلائعها الشابة الدم والدمع والعرض في مقابل القليل من النتائج. تضحيات كبيرة وثمرات قليلة. إنها مرحلة تعلمت الأمة فيها عقم واقعها وعظمة فكرتها، ولكنها لا تمتلك المناهج وخطط التعامل مع مشكلة الزمان والمكان، ولا تمتلك ما تحتاجه من تعدد الوسائل وطرق العمل وما يلزم لذلك من سعة الفكر والقدرة على الابتكار. وهي مرحلة على ما بها من حركة عشوائية أو شبه عشوائية، وما بها من عثرات طبيعية في مسارات الأمم والشعوب - مرت بها فرنسا واليابان وبريطانيا وغيرهم كثير - إلا أنها ظاهرة إيجابية تدل على أن الأمة قد أفاقت. فإذا نظرنا إلى فرنسا أو أوروبا وتأملنا محاولة التحرر من أسر عصر الظلمات أو الفترة الوسيطة؛ سنجد استجابات عشوائية في البداية، تمثلت في الصراع والتفتت والتجارب والاقتتال الديني وغير ذلك من الأشكال التي عانت منها كل الأمم أثناء تحركها من أجل نهضتها. إنها مرحلة تطول أو تقصر ولكنها موجودة لا محالة. إنها بشارة - رغم ما بها من آلام ومخاض - تقول أن الأمة قررت أن تهجر السكون.
إن طور الصحوة طور التمرد على الواقع، وعدم الاستسلام له، والبحث عن مخرج. وفي هذه الفترة من حراك المجتمعات والأمم ترتكب الأخطاء وتوجد الانفجارات غير العاقلة والصراعات المريرة والتجارب الفاشلة لكن هذا التراكم الضخم من الخبرات يقود إلى مرحلة لاحقة وهي مرحلة اليقظة.
وأما اليقظة:
* ... فهي حالة تالية تنقشع فيها بقايا الخِمار العقلي، ويعرف فيها المرء مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء وبشر، فيكيف حركته ليسير بين عالم الموجودات المادية حوله وينظم علاقته بعالم البشر المحيط به.