وقال ابن الجوزي - رحمه الله: فتفهَّم يا أخي ما أوصيك به, إنما بصرك نعمة من الله عليك, فلا تعصه بنعمه, وعامله بغضه عن الحرام تربح, واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة, وكل زمن الجهاد في الغض لحظة, فان فعلت نلت الخير الجزيل وسلمت من الشر الطويل.
-هذه قصة يتضح فيها الحرص على غض البصر وعدم التساهل فيه وبطلها أحد الشباب:
كان بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه وكان حسن القامة حسن السمت, فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال عليها ذلك. فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد, فقالت: يا فتى اسمع مني كلماتٍ أُكلمك بها ثم اعمل ما شئت. فمضى ولم يكلمها, ثم وقفت له بعد ذلك على الطريق وهو يريد منزله, فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها, فأطرق مليًا وقال لها: هذا موقف تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعًا, فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك, و لكن معاذ الله أن يتشرف العباد إلى مثل هذا مني, والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم معاشر العباد على مثل القوارير أدنى شيء يعيبها. وجملة ما أقول لك أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك 0 فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي فأخذ قرطاسًا وكتب كتابًا ثم خرج من منزله وإذا بالمرأة واقفه في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى مكانه, وكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم, اعلمي أيتها المرأة أن الله إذا عصاه العبد حلم إذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره فإذا لبس لها ملابسها غضب الله لنفسه غضبة تضيق لها السماوات و الأرض و الجبال والشجر والدواب فمن ذا يطيق غضبه؟ فإن كان ما ذكرت باطلًا فإني أُذكرك يومًا تكون فيه السماوات كالمهل وتصير الجبال كالعهن وتجثوا الأمم لصولة الجبار العظيم, وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح