فانظُرْ كيفَ يتفِّقُ هذا الحديثُ مع ما قدَّمناه من تأثيرِ بيئةِ الباديةِ على شخصيةِ الأعرابِ وخاصةً في الفدادين - بتشديد الدال - جمعُ فدان ، وهو الذي يعلو صوتُه في إِبِلِه وخيلِه ، فصاحبُ الإبلِ ينشأُ على القسوةِ وغِلَظِ القلبِ ، وصاحبُ الخيلِ ينشأُ على الخُيلاءِ والفخرِ ، وصاحبُ الغنمِ ينشأُ على الهدوءِ والسكينةِ ، وذلك لما يكتَسِبُه كلٌّ من بيئته بسببِ عوامِلَ عدةٍ تُكَوِّنُ شخصيتَه .
وقد ذكر الباحثونَ في علمِ النفسِ بعدَ قرونٍ من البعثةِ ، ما يتَّفِقُ مع ما تقدَّمَ ، وبالأخَصِّ فيما يُسمى بعلمِ نَفْسِ النُّمُوِّ ، وعلمِ النفسِ الاجتماعِيِّ .
ـ فالأولُ: يتبين منه مدى تأثيرِ البيئةِ على اكتسابِ الأطفالِ تدريجيًا أنماطَهم في التفكيرِ والانفعالاتِ والدوافِعِ ، والمظاهرِ الأخرى الشخصية .
ـ والثاني: أكثرُ بيانًا لتأثيرِ المجتمعاتِ في سلوكياتِ الفَرْدِ ، بل إنَّ معناهُ هو دراسةُ كيفَ يتأثَّرُ الإنسانُ بالآخرينَ ويُؤَثِّرُ فيهم . ومِن فُصولِ هذا البابِ ما يُسمّى بالتطبيعِ الاجتماعيِّ ، وهي العمليةُ التي يتكامَلُ بها الأطفالُ في المجتمعِ ويُصبِحُ الأطفالُ مخلوقاتِ مجتمَعِهِم بطُرُقٍ كثيرةِ ، يتشكلون بعاداته وأنظمته (7) .
ونكتفي بهذا القدرِ كتمهيدٍ ، ونَشَرَعُ في الفصلِ الأولِ ، وهو: دراسةٌ عن البيئةِ التي نَشَأَ فيها النبيُّ ( .
( الفصلُ الأولُ (
( البيئةُ التي نَشَأَ فيها النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم (
ونحنُ إذْ نتكلمُ عن البيئةِ التي تكوَّنَت فيها شخصيةُ النبي ( ، نضع في عينِ الاعتبارِ العاملَ الخارجيَّ الأساسيَّ ، الذي جعلَ النبي ( ينفَكُّ من عمليةِ التطبيعِ الاجتماعيِّ في كثيرٍ من الأمورِ ، وهو التوفيقُ الإلهيُّ المؤهِّلُ له لتَحَمُّلِ الرسالةِ . وهذا في حَدِّ ذاتِه من دلائِلِ نبوته ( ، وسيتَّضِحُ هذا جليًا أثناءَ البحثِ إن شاء الله تعالى .