الصفحة 78 من 98

البشرية، وذلك بترسيخ العقيدة أولا في الأعماق، ثم مطالبة النفس بعدها بأوامر الشريعة كلها، إذ المنهاج الرباني في تربية النفس جزء من العقيدة ذاتها.) [ص 6] .

وقال أيضا:(لا بد من اتباع المنهج الرباني القيم الذي رسمه رب العالمين، وسلكه سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم لإيصال دين الله إلى قلوب البشر، ولا بد من البدء بالعقيدة من تعريف الناس بإلههم الحق، وبحقيقة وجودهم على هذه الأرض، والمهمة المنوطة بهم إبان مرورهم بهذه الدنيا، من المسؤول عنهم؟ أي منهاج يجب أن يحكمهم؟ صلة هذا الإنسان بالكون من حوله، مكانة هذا الكائن من الكون.

وبعبارة أقصر؛ إقرار جلال الله ورهبته وهيبته في أعماق قلب الإنسان وطريقة الوصول إلى رضاه.) [1] [ص 7] .

-العقيدة السليمة الصلبة هي التي تثمر العمل الصالح (اقتران الاعتقاد بالعمل) :

إن من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل فالإيمان الصحيح ما اقترن فيه الاعتقاد والقول والعمل فالعمل الصالح لا بد له من عقيدة صحيحة ينبثق منها كما أن الثمار الطيبة لا تنتج إلا من الشجرة ذات الجذور السليمة قال د. عبد الله عزام -تقبله الله-:

(1) . وفي هذا الباب يقول سيد قطب -تقبله الله-:(كذلك يجب أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية، أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة -حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين! وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون -يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولا إقرار عقيدة: لا إله إلا اللّه بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية للّه في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان اللّه بادعاء هذا الحق لأنفسهم. إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم.

ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاما كاملة ..

فإذا دخل في هذا الدين -بمفهومه هذا الأصيل -عصبة من الناس، فهذه العصبة هي التي تصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياتها الاجتماعية لأنها قررت بينها وبين نفسها أن تقوم حياتها على هذا الأساس وألا تحكم في حياتها كلها إلا اللّه.

وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية، في اطار الأسس العامة للنظام الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد ..

ولقد يخيل إلى بعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم، وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي -بل التشريعات الإسلامية كذلك -على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين! وهذا وهم تنشئه العجلة! وهم كالذي كان يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم -في أولها تحت راية قومية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، تيسيرا للطريق! إن النفوس يجب أن تخلص أولا للّه، وتعلن عبوديتها له، بقبول شرعه وحده ورفض كل شرع غيره ..

من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه! إن الرغبة يجب أن تنبثق من الرغبة في إخلاص العبودية للّه، والتحرر من سلطان سواه .. لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها في كذا وكذا على وجه التفصيل.

إن نظام اللّه خير في ذاته، لأنه من شرع اللّه. ولن يكون شرع العبيد يوما كشرع اللّه .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة ..

إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع اللّه وحده ورفض كل شرع غيره هو ذاته الإسلام. وليس للإسلام مدلول سواه. فمن رغب في الإسلام فقد فصل في هذه القضية ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان! وبعد فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما .. إنه لم يعرضها في صورة «نظرية» ! ولم يعرضها في صورة «لاهوت» ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله فيما بعد ما سمي بـ «علم التوحيد» أو «علم الكلام» ! كلا ..

لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة «الإنسان» بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها .... )في ظلال القرآن 2/ 1011 - 1012

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت