ونعطي مثالًا على الاستخدامات المختلفة للتاريخ من خلال ما استعرناه من بعض ما طرحه أحمد القديدي [1] في مصطلحي"التاريخ الصغير"و"التاريخ الكبير".
مدخل التاريخ الصغير:
ويشمل أخبار البلاط والقصور، وما يدور فيها، والتركيز على عوامل الإثارة، والجنس، والنساء، والترف، والصراعات الكيدية، والصراعات الدموية في القصور، على اعتبار أن ذلك هو تاريخ أمّة من الأمم. في حين أنه يشكل حياة شريحة صغيرة من قمة الهرم. وغالبًا ما يكون مثار السخط والاشمئزاز. ويعمل على تقزيم دور الأمة وتحطيم روحها المعنوية.
وتخيل لو أن شخصًا ركز على التاريخ الصغير في بريطانيا -على سبيل المثال.لينظر إلى القصر الملكي البريطاني، والمؤامرات وقتل النساء وقتل الرجال، وعمليات الإجرام التي كانت تتم في القصور حول الملك، ماذا يمكن أن ينطبع في ذهن هذا الشخص عن بريطانيا ؟!
مدخل التاريخ الكبير:
وهو إنجاز أمة من الأمم في مجال الإنجاز العسكري، والاقتصادي، والإنساني، والعلمي، والفكري، والاجتماعي، والقانوني، والقيمي، ودورها في خدمة البشرية. وهو الجزء الذي يشكل عطاء الغالبية العظمى من المجتمع في حقبةٍ ما. وهو الأمر الذي يؤكد هوية الأمة وقدراتها على العطاء وعبقريتها الخاصة.
وتلاحظ هنا المفارقة، ففي حين يقدم الغرب للأمم الشرقية تاريخ أوروبا من خلال التاريخ الكبير يتم الإصرار على تقديم تاريخ العالم الإسلامي من زاوية التاريخ الصغير الانتقائي وغير الموثق. وهو جهد تقوم به دوائر الاستشراق بتقنية عالية. ويترسم هذه الخطى بعض أبناء الأمة ممن درس على أيديهم.
(1) أستاذ الإعلام بجامعة قطر والذي تولى مسؤوليات سياسية في تونس. حيث كان عضوًا في البرلمان. واختار سنة 1986م المنفى مع صديقه محمد مزالي الذي كان رئيسا للحكومة من أجل التطور الديمقراطي في تونس. صدر للدكتور القديدي مجموعة من الكتب تهتم بالمشروع الحضاري الإسلامي باللغة العربية والفرنسية.