الصفحة 39 من 283

وكيف ينكر لأمة أطبقت على صلب معبودها وإلاهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب وأن تهينه غاية الإهانة إذ صلب عليه إلاهها الذي يقولون تارة أنه الله وتارة يقولون أنه ابنه وتارة يقولون ثالث ثلاثة فجحدت حق خالقها وكفرت به اعظم كفر وسبته اقبح مسبة .. أمة قالت في رب الأرض والسموات أنه ينزل من السماء ليكلم الخلق بذاته لئلا يكون لهم حجة عليه فأراد ان يقطع حجتهم بتكليمه لهم بذاته لترفع المعاذير عمن ضيع عهده بعد ما كلمه بذاته فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم فأخذ منها حجابا وهو مخلوق من طريق الجسم وخالق من طريق النفس وهو الذي خلق أمه, وأمه كانت من قبله بالناسوت وهو كان من قبلها باللاهوت وهو الإله التام والإنسان التام!! ومن تمام رحمته تبارك وتعالى على عباده رضي بإراقة دمه عنهم, وغار دمه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض ليبس كل ما كان على وجهها فثبت في موضع صلبه النوار ولما لم يكن في الحكمة الأزلية أن ينتقم الله من عبده العاصي الذي ظلمه أو استهان بقدره لاعتلاء منزلة الرب وسقوط منزلة العبد أراد سبحانه أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله مساو له في الإلهية فصلب ابن الله الذي هو الله في الساعة التاسعة من يوم الجمعة, .. !! هذه ألفاظهم في كتبهم فأمة أطبقت على هذا في معبودها كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله أنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا.

تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل:

يقول بن القيم رحمه الله:"وقولهم"إن نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها"كذب ظاهر فهذه التوراة التي بأيدي النصارى تخالف التوراة التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه، وهذه نسخ الإنجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه، حتى إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعا أن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى ولا في الإنجيل الذي أنزله على المسيح، وقد وبخهم الله سبحانه وبكتهم على لسان رسوله بالتحريف والكتمان والإخفاء، فقال تعالى (يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تَلبَسونَ الحَقَّ بِالباطِل وَتَكتُمونَ الحَقَّ وَأَنتُم تَعلَمون) وقال تعالى (إِنَّ الَّذَينَ يَكتُمونَ ما أَنزَلَنا مِنَ البَيناتِ وَالهُدى مِن بَعدِ ما بَيناهُ لِلناسِ في الكِتابِ أَولئكَ يَلعَنَهُمُ اللَهَ وَيَلعَنَهُمُ اللاعِنونَ) وقال تعالى (إِنّ الَّذَينَ يَكتُمونَ ما أَنزَلَ اللَهُ مَن الكِتابِ وَيَشتَرونَ بِهِ ثَمَنًا قَليلًا أَولئِكَ ما يَأكلُونَ في بُطونِهِم إِلاّ النار، وَلا يُكَلِمُهُمُ اللَهُ يَومَ القِيامة، وَلا يُزكيهِم، وَلَهُم عَذابٌ أَليم) وقال تعالى: (يا أَهلَ الكِتابِ قَد جاءَكُم رَسولُنا يُبينُ لَكُم كَثيرًا مِما كُنتُم تُخفونَ مِنَ الكِتاب وَيَعفو عَن كَثير قَد جاءَكُم مِنَ اللَهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبين يَهدي بِهِ اللَهُ مِن اِتَبَعَ رِضوانَهُ سُبَلَ السَلام، وَيُخرِجُهُم مِنَ الظُلَماتِ إِلى النورِ بإِذنِهِ وَيَهديهِم إِلى صِراطٍ مُستَقيم) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت